بسم الله الرحمن الرحيم
نعْمَ الشاهدُ ونعمتِ الشَّهادةُ
إن بعضًا مما يتردد على ألسنة أولئك النفر الذين رضوا أن يُجادلوا عن السلطة السورية، ويبرروا لها ما تقوم به، وينالون غمزًا ولمزًا من المتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة.. .. إن ممّا يتردد على ألسنتهم: إن عدد سكان سوريا ثلاثة وعشرون مليون نسمة.. وهؤلاء المتظاهرون لا يعدون في مختلف المحافظات عشرة آلاف كحـدٍ أقصـى – حسب تعبيرهم - ، وبالتالي فهم لا يشكلون سوى نسبة ضئيلةٍ جدًا..من الشعب السوري، قال ذلك عديدون.. منهم المسمي نفسه محمد الآغا والذي يقول أنه صحفي.. ومنهم الأستاذ الجامعي بسام أبو عبد الله... وغيرهم... ولا أريد من المقال أن يكون ردًا على هؤلاء من الناحية العلمية وأن الحالة ليست كما هم يتصورون، ولا يُنظر إلها رقميًا كما يتوهمون.. فعلى سبيل المثال إن عدد سكان مصر 85مليون نسمة.. ولم يخرج من أهلها متظاهرين في أعلى تقدير.. سوى مليونين تقريبًا.. واستطاعت أن تُسقط النظام وتحقق للثورة نصرها المبهر... إلا أنني سأترك الرد لأصحاب العقل المستنير، والرأي السديد... وقبل هذا وذاك لمن عندهم وعي وفهم من نوع خاص لا يمن الله بهما على الذين لا يستحقونهما...
سألتْ قناة الجزيرة الأستاذ المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان نجاتي طيارة، وهو من حمص، قائلةً: إن المتحدث السابق (وكان الدكتور بسام أبو عبد الله) قال: إن عدد المتظاهرين لا يشكلون إلا نسبة قليلة جدًا وهؤلاء لا تأثير لحراكهم قياسًا إلى العدد الإجمالي لسكان سوريا فما قولك؟ فأجاب الأستاذ نجاتي: في ظل هذا القمع الشديد، والإرهاب.. والقتل.. إن الواحد من هؤلاء الذين يخرجون بالمظاهرات يعادل عشرة آلاف... إن الذين يخرجون في دول أخرى يخرجون وميزات عديدة تحف بهم من الأمن والأمان والسلامة وفتح الطريق أمامهم وتمهيده لهم..... أفيقاس متظاهرو سوريا بمتظاهري تلك الدول... لا.. وألف لا... ومن هنا نستطيع أن نقدر كم يعادل المتظاهرون في سوريا... وسألت قناة ((المشرق – أورينت)) محاميًا آخر اسمه محمود فكان جوابه: إن الواحد من هؤلاء المتظاهرين في رأيي يعدل مئة ألف...
إنها شهادة حق صدرت من رجلين نوّر الله قلبيهما بنور المعرفة واليقين... ففي ثقافتهما التي نشؤوا عليها... وتأصلت في نفوسهم قول الله تعالى ((إن إبراهيم كان أمة)) ، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن القعقاع ((لصوت القعقاع في الجيش خيرٌ من ألف رجل)) وكذلك جعل الله المؤمن، حتى في أضعف الحالات، يعدل رجلين من الأعداء... وحين تغيب هذه الثقافة عن العقل الإنساني... وينشأ في تربية تكون المصلحة المادية الدنيوية العنوان الرئيسي لها... وتُقصى المبادئ عنها تمامًا حين يكون ذلك يطفو على السطح أمثال تلك المقولات التي لا توزن حتى بالورق الذي تكتب عليه، ولا بالحبر الذي يُستهلك في تدوينها...
والذي أردت أن أوصله من هذا المقال... أن يطمئن من يعيشون الثورة لحظة بلحظة... وتكون هي همّهم الشاغل الذي ينامون عليه ويصحون عليه.. أجل عليهم أن يطمئنوا ما دام في هذا الشعب نماذج من نوعية الذين يخرجون في المتظاهرين، وهم يعلمون يقينًا أنه ربما لن يعودوا إلى أهليهم.. ولذلك فكثير منهم يودّع أهله، ويخرج طالبًا من أبويه الدعاء له... وأقول ما دام في الأمّهات السوريات من تحث ابنها الوحيد على الخروج في المظاهرة بمجرد سماعها أن مظاهرة ستخرج..وما دام في الأباء السوريين من يهدد أبناءه بالعقاب والغضب عليهم إن لم يخرجوا، وهذا ما رواه لي رجل ثقة وصادق... أقول ما دام يوجد أمثال هؤلاء فليطمئن كل محب للحرية وعاشق للكرامة أنه سينالهما .. وإن هي إلا فترة تمحيص وابتلاء ثم يأتي نصر الله بإذنه تعالى... ولنحسن الظن بالله، فحاشاه أن يتر هؤلاء أعمالهم... والواقع يشهد بذلك ... فكلنا يرى كيف أنه بمرور الأيام يشتد ساعد هذه الثورة... وتقترب أكثر فأكثر من هدفها...إنه الإيمان الذي يُحول الضعف إلى قوة، والوهن إلى عزيمة، والجزع إلى صبر، واليأس إلى أمل... وصدق الله سبحانه وتعالى (( وكم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرة بإذن الله...)). ولله در ذلك الشاعر الذي قال:
تُعَيّرُنَا أنَّا قـليلٌ عديــدُنَـا فقلتُ لها إن الكرامَ قلـيلُ
وما قلَّ مَنْ كانت بقاياه مثلَنا شبابٌ تسامى للعُلا وكهولُ
وما ضرَّنا أنّا قليلٌ وجارُنـا عزيزٌ وجـارُ الأكثرينَ ذَليْلُ
أجل والله؛ إن هؤلاء المتظاهرين هم الكرام...وهم المتسامون إلى العلا... وهم الذين يعز جارهم بهم... فأنى للأقزام أن يصلوا إلى أقدامهم.
الأحد 5/جمادى الآخرة/ 1432 الموافق لـ 8/أيار/2011
محمد جميل مصطفى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق