بسم الله الرحمن الرحيم
من الذي يقف وراء الاحتجاجات في سوريا؟
في برنامج (ساعة حرة) لقناة الحرة يوم الثلاثاء 17/5/2011 كان أحد المتحاورين الأستاذ علي صدر الدين البيانوني.. وفي أثناء الحوار؛ وبعد أن أوضح المقدم أن الإدارة الأمريكية وغيرها يمكن أن يكون لديهم معلومات عن المعارضة الرسمية والأحزاب في سوريا، ولكنهم ليس لديهم فكرة عمن يقف وراء الاحتجاجات.. التفت المقدم إلى الأستاذ البيانوني وطرح عليه السؤال الآتي: لو جوبهتم من قبل المجتمع الدولي بالسؤال التالي: من يقف وراء الاحتجاجات في سوريا فبم تجيب؟ فأجاب الأستاذ علي كعادته بالجواب الذي ينم عن ممارسة جيدة في هذا المجال وقال: الذي يقف هو الشعب السوري بكل أطيافه مسلمين ومسيحيين عربًا وأكرادًا... وأخذ يعدد مختلف شرائح المجتمع السوري...
وقد وجدت أن طرحَ هكذا سؤال فرصةٌ لأدلي برأيي بعيدًا عن الإجابات الدبلوماسية التي وإن كانت تحتوي على ظاهر الحقيقة إلا أني أردت الإجابة من زاوية أخرى..
لنأخذ، مثلاً، أحدَ أبناء الشعب السوري الذين كانت ولادتهم بعد سنة 1970للميلاد، ولنتابع مسيرة حياته منذ ولادته وحتى عمره الحالي..فإننا نجد الآتي:
1- هذا المولود ينمو في بيته الذي يحتوي على جهاز رائي (تلفزيون) وهو أحادي البث، بمعنى أنه لا توجد إلا جهة واحدة تبث عليه وهي الجهة الرسمية...، وإذا أخذنا بعين الاعتبار ما يقرره علماء النفس أن الطفل يتأثر بالبيئة التي ينشأ فيها حتى قبل ولادته فإن هذا المولود سيتأثر بالتأكيد بعبارات من قبيل: (سوريا الأسد) و ( الأسد إلى الأبد) و (نعم للأب القائد) و(بالروح بالدم نفديك يا أسدنا) و( الأسد بطل الصمود والتصدي) و (سوريا بقائدها هي الرمز الوحيد للمقاومة والممانعة)..و (...سيد الوطن)... وبالطبع فإن كيفية التأثر ومستواه تختلف بحسب المستوى العمري للطفل.. إلا أن التأثر قائم.. ويواكب الطفل من خلال مسيرته في الحياة..
2- ينتقل الطفل إلى المدرسة الابتدائية ليواجَه بإقحامه في منظمة الطلائع التي تكرس ما اقتحم نفسيته في المرحلة السابقة وتضيف إليها البعد الثقافي المناسب للمرحلة العمرية للطفل..
3- ثم ينتقل الطفل إلى المرحلة المتوسطة التي يكون فيه، حُكْمًا، أحدَ أعضاء منظمة شبيبة الثورة، وفيها يزداد تكريس فعالية المؤثرات التي أشرنا إليها سابقًا، ويُضاف إليه بعدٌ تنظيمي يسعى إلى ترسيخ مفهوم الالتزام الحزبي بحزب البعث، وأنه بذلك يختلف عن بقية أترابه الذين لم يُتح لهم ما أُتيح له..
4- وفي المرحلة التالية تأتي مادة الفتوة الإجبارية وما يلازمها من تدريبات عسكرية لتزيد من وضوح تكريس ما مر ذكره ..
5- أما في المرحلة الجامعية فيكون الناشئ قد حُشِرَ في عقله الباطن محصلة ما تلقاه سابقًا في المراحل المذكورة.. ويأتي دور منظمة اتحاد الطلبة لتعده لتحمل المسؤولية في إطار تلك المحصلة وفي دائرة فلكها فقط...
من جهة أخرى لنعد مرّة ثانية ولننظر إلى الطفل السوري قبل أن يخضع لتلك المؤثرات لنجده يمتلك، شأنه شأن غيره من أطفال العالم، نفسًا تتقبل بارتياح وانسجام كل ما عليه الفطرة البشرية من قيم وتصورات.. ، بل وتكون تلك القيم الفطرية منطبعة في أعماق النفس ومتأصلة في جميع جوانبها..
والآن يأتي النزاع والفصام الذي يُحطم تلك النفس... فالفطرة تقول.. الملْكُ المطلق لله وليس لأحد غيره أن يُنسَبَ إليه ملك عام...(لله ما في السموات وما في الأرض...) فسوريا بالمفهوم الاجتماعي الفطري هي لله..(أو على الأقل بما يُتعارف عليه دوليًا في الحياة الدنيا هي للشعب) وليست للأسد.. أو لغيره...
والفطرة تقول أن الأبدية لله وحده وليست لأي موجود غيره... لا الأسد ولا غيره...(وتلك الأيام نداولها بين الناس)، (كل شيء هالك إلا وجهه..)
والفطرة تقول: أن الأب يحرم نفسه من امتيازات كثيرة ليقدمها لأبنائه من غير مَنّ...وهو لا ينتظر من أبنائه أي مقابل... وليس مثل ذلك الأب الذي يريد أن يكون زعيمًا أوحد.. ويُلهج باسمه والثناء عليه وتقديسه... وتوضع له صور وتماثيل في كل مكان، وأحيانًا يدفع كلفتها المادية المواطنون (الأبناء الافتراضيون) من جيوبهم.. التي في الغالب ما تكون خالية..وأن هؤلاء الأبناء يُعاقبون أقسى أنواع العقاب فيما إذا امتنعوا (سهوًا أو عمدًا) من تقديم ذلك الثناء أو التقديس أو تسببوا بمس قداسة تلك التماثيل.. أيضًا (سهوًا أو عمدًا)...
والفطرة تقول: إن سيد الوطن وسيد الناس وسيد الكون كله هو الله... وليس أحد من بني البشر أيا كان... أن تكون له تلك السيادة، وحتى لو أخذنا الأمر بالمفهوم النسبي فإن العكس هو الصحيح أي (الوطن هو سيد فلان ) وليس ( فلان سيد الوطن)...
والفطرة تقول: إن الله سبحانه وتعالى لم يخلق أحدًا يتميز بأمور لا يُشاركه فيها غيره من الخلق؛ إلا الأنبياء فلهم خصوصية والله سبحانه هو الذي منحهم تلك الخصوصية.. أما أن شخصًا ما، أيا كان، يمكن أن يكون لديه ما ليس عند غيره فهذا معاكس للفطرة.. وأن الأمر لا يحتاج إلى أن يُبدل قانون أو دستور أو حتى عرف مراعاة لهذه الخاصية... فكثير غير المعنيّ يمكن أن يقوم بما سوف يُسند إليه من غير حاجة إلى تبديل أو تغيير..وأن ما يتميز به زيد من الناس يتميز به عشرات بل مئات غيره...
إضافة إلى ذلك فإن الفطرة تصرخ في ضمير الإنسان أن يعرف السبب في أي أمر يراه أمامه... له أن يعرف لماذا (فلان) من الناس حصل على الامتياز الفلاني... ولماذا (الفلان الآخر) بقي مغيبًا في السجون لمدة طويلة... ولماذا فلان وبسرعة البرق أصبح من ذوي الثراء الفاحش.. وأما (فلان) فلا يجد قوت يومه...ولماذا (فلان) وهو الأدنى علمًا وخبرة ومعرفة في موقع أعلى بكثير من موقع الآخر الذي يفوقه في كل شيء... وتتعدد الصور...
وهكذا عاش ملايين السوريين؛ وفي جنبات نفوسهم صراع حاد بين ما عليه الفطرة وبين ما أراد الواقع المر والظالم أن يجعل قيمًا معاكسة للفطرة تحتل في النفس محل القيم الأساسية الأصيلة.. وأخذ هذا الصراع يحتدم وينمو ويشتد... وهو على درجة واحدة في كل النفوس..لأن الألم هو هو.. لم يتغير والنفس البشرية هي هي.. إلى أن وصل ذاك الصراع إلى درجة الانفجار... فانفجر عند أول مشجع له؛ ذلك لأن الإحساس بالظلم يولد طاقة هائلة لا يعرف مقدارها إلا المظلومون..انفجر ذلك الصراع، بفعل تلك الطاقة، على صورة احتجاجات لا تهدأ.. وثورة لا تخمد...وإصرار شديد بشدة ذلك الصراع بين الفطرة ونقيضها... وكانت تلك الاحتجاجات بصورتها الأشد لأنها سلمية ولو لم تكن سلمية لكانت الأضعف..
فالذي يقف وراء هذه الاحتجاجات هو ذاك الاحتلال الغاشم لقيم مناقضة للفطرة الإنسانية، وإحلالها محل القيم الإنسانية الفطرية الأصيلة...
فليت الذين يتساءلون عمن وراء تلك الاحتجاجات يعون ذلك، وما أحسب أنهم لا يعونه، ولكن ليتهم يترجمون وعيهم ذاك فلا يَسألون سؤال المتجاهل... ومن ثم ليتهم ينحازون من غير أي تردد ليقفوا بجانب الفطرة وقيمها.. أما من يمثل هذه الجماهير على المستوى المادي العضوي.. فهذا أمر يسير حين يتم الانحياز الأول.. لأن هذا الانحياز هو تعبير لانتصار الفطرة على سواها، وانتصار للقيم الإنسانية على القيم البهيمية.. وحين يتحقق هذا النوع من الانتصار(وهو سيتحقق بإذن الله) يفرز المجتمع من يشاء ليمثله ويتكلم باسمه...
الثلاثاء في 14/جمادى الآخرة/1432 الموافق لـ 17/أيار/2011
محمد جميل مصطفى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق