بسم الله الرحمن الرحيم
بيّنات لا يفهمها الطغاة
حين يكون شخص ما مسافرًا ؛ وفجأة يجد أمامه لوحة كتب عليها: انتبه.. لا تتابع فالموت ينتظرك.. هذا الرجل يتوقف قليلاً ... يفكر.. ولكنّه يحزم أمره حين يرى من بعيد شخصًا مضرجًا بدمائه يزحف من الجهة التي حُذر منها.. فيعكس اتجاه سيره ويرجع.. من حيث أتى...
واللغز الذي يحير العقول، ويجعلها مشدوهة أمامه... هو ذلك الإصرار من قِبَل شباب سوريا على المضي في طريقهم الذي بدؤوه منذ الخامس عشر من آذار لعام ألفين وأحد عشر... يتابعون طريقهم وهم يرون لوحات كتب عليها... ستقتلون..فلا تستمروا...ستدفنون في مقابر جماعية فارجعوا...سترون في نسائكم وأطفالكم ما لا يروق لكم فتوقفوا.. لكنهم يمضون وتراهم يشاركون في حمل من استمر من إخوانهم وقُتل.. ليودعوهم – إن استطاعوا - في مكان يأمنون عليهم من وحشية القاتل.. ذاك الذي تحدى القتلة في العالم كله من أن يصلوا إلى مستواه في دناءة القتل وقذارته!! وإن لم يستطيعوا إيجاد ذلك المأمن..يتركون قتلاهم وهم يقولون.. أرواح قتلانا في عليين وهذه ليست إلا أجسادًا من تراب وطين...ويهتفون ((بالملايين للجنة رايحين))..
يمضون وهم يسابقون الزمن إلى حيث مطلبهم وبغيتهم..يمضون وهم يرون الدماء تسيل، والحرمات تُنتهك... والأطفال تُشوه.. والأموال تُنهب... وفي طريقهم يسمعون صيحات من هنا وهناك ... توقفوا عن إيقاظ الفتنة.. فلعنة الله على موقظها... توقفوا عن التسبب في مزيد من الدماء وتناثر الأشلاء... كفوا عن مضيكم الأرعن المشبوه.. فما تطلبونه قادم إليكم فوق بساط الريح!! وهم يرون أن هذا البساط محمول على أكتاف (شبيحة) متمرسين في حمل الدمار والموت ...لكنهم يمضون في طريقهم وكأن تلك الصيحات ارتدت إلى مطلقيها محملةً بلعنات الإرجاف والتثبيط.. بلعنات الدجل والكذب..ارتدت حين اصطدمت بجبال من الصبر والصمود والثبات عند أولئك الفتية... ولسان حالهم يقول لأصحاب تلك الأصوات... ((لن نؤثركم على ما جاءنا من البينات)) .. تلك المقولة التي جهر بها سحرة موسى وهم يلقون بعربدة فرعون عليهم بالتهديد والوعيد..يلقونها وراء ظهورهم وكأنها بعوضة تطن في فلاة.. قالوا له ((لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات))
ولندع ما ذهب إليه المفسرون في توضيح تلك البينات.. التي جعلت سحرة فرعون يتحدّون الطاغية ويقولون له: ((فاقْضِ ما أنْت قاض)).. ولننظرْ في بينات هؤلاء الشباب... الذين حرص فرعون العصر على أن يجعل منهم سحرة يسحرون أعين الناس، ويقنعونهم قسرًا بصحة ما يُطلَق من شعارات تأبى أن تجد لها مكانًا في أعماق نفس تذوقت، فطريًا، مفاهيم الحرية والكرامة والإباء ... نعم حرص فرعون العصر على أن يجعل هؤلاء الشباب سحرة يحملون سِفر دجله وتزويره في أنه وحيد عصره، وفريد زمانه.. وأن العالم كله أقل من أن يناسب كبرياءه وجبروته وعبقريته ليحكمه!!! أراد لهم ذلك ولكنهم حين رأوا البينات قالوا بملء أفواههم: لا... وألف لا...
تُرى فما تلك البينات التي رآها هؤلاء الشباب؟ حتى جعلتهم يقولون لفرعون عصرهم: اقض ما أنت قاض.. اقتل ما شئت وكيف شئت...وبما شئت... فما تذوقناه ورأيناه بعين البصيرة والبصر.. أكبر بكثير مما تتوعد به وتهدد... إن الذي رأيناه لا يفهمه الطغاة أبدًا.. تمامًا مثل فرعون فإنه لم يفهم أنه بشر مثل غيره من الناس.. وأن للكون ربًا هو وحده الذي يديره ويتصرف به كما يريد.. ولم يفهم أنه لا يعدو أن يكون كفرد واحد من أولئك الذين يستعبدهم ويذلهم إن لم يكن أقل منهم شأنًا ...
إن هؤلاء الشباب يقولون.. تذوقنا طعم الخلاص من الخوف الذي عشعش في قلوبنا وقلوب آبائنا من قبل؛ فقتل كل قيمة كريمة، وصفة أصيلة ونبيلة أودعها الله في نفوسنا حين سلّمَنا، جل جلاله، إلى آبائنا وأمهاتنا وهم صم وبكم وخرس من تأثير ذلك الخوف... يقولون أضفنا إلى معجم مفرداتنا اللغوية كلمة ((لا)) بعد أن نُزعت من ذلك المعجم لعقود... ونُشّئنا قسرًا على ((نعم)).. نعم للقائد... نعم للرمز... نعم (للصمود) وأي صمود...؟ نعم (للتصدي) وأي تصد.....؟ نعم (للممانعة) وأي ممانعة..؟ نعم (للتوريث) ... نعم للذل.. نعم للقهر... نعم للإعدام لفئة ذات فكر معين.. لا الإعدام الفكري.. بل الإعدام الجسدي...نعم لتميز فئة من الناس على من سواهم .. لا لعلمٍ استأثروا به... ولا لعمل عظيم أنجزوه... ولا لاختراع ينفع البشرية أسدوه إليها.. لكن لأنهم من حزب يجيد القنص ...
إن هؤلاء الشباب يقولون: إن بين ما رأوا من البينات التي جعلتهم يمضون بإصرار وثبات في الطريق.. هو تنسمهم لعبير الحرية.. وتذوقهم للذة طعمها...عبّر عن ذلك أحدهم حين قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد طلقة غادرة...الحمد لله فقد ذقت طعم الحرية لأربعة أيام وهذا يكفيني...أجل ظهرت لهم تلك البينات جلية واضحة حين ألْفَوا أنفسهم يستطيعون أن يقولوا (لا) حين يشاؤون ويقولون (نعم) حين يشاؤون.. وحين يستطيعون أن يضعوا الأسماء على مسمياتها، والنقاط على حروفها.. من غير تزويق أو تحريف أو تبديل.. وأخذوا يتطلعون بفارغ الصبر إلى ذلك اليوم الذي يكون لهم فيه حق الاختيار لمن سيكون خادمًا لقضاياهم وحاجاتهم...لا حاكمًا مستبدًا مذلاً لنفوسهم.. وإلى ذلك اليوم الذي لا يجدون فيه شبحًا مرعبًا يراقب حركاتِهم وسكناتِهم وأقلامَهم وهي تكتب ما تُستفتى فيه قبولاً أو رفضًا....
إن هؤلاء الشباب يحبون الحياة.. ولا يحبون القتل والموت.. فلا يمكن أن يرفضوا حياةً كريمةً تُعرَض عليهم... لكنهم جربوا تلك العروض مرة واثنتين.. وثلاثة... جرّبوا ذلك حين قيل لهم تظاهروا وهذا من حقكم وممنوع إطلاق النار عليكم.. فباؤوا بأرتال من الشهداء... جربوا ذلك حين قيل لهم لقد تم إلغاء قانون الطوارئ ولكن لم يُنفّذ مقتضى هذا الإلغاء ولو ليوم واحد... بل باؤوا أيضًا بأرتال من الشهداء...جربوا ذلك حين قيل لهم سنحاوركم ونلبي ما تنشدون... ولكن نظروا فوجدوا أن حوار الكلمة كان من علٍ ومع غيرهم.. أما معهم فكان حوار الرصاص والقنابل وصوت هدير الدبابات وقصف المدافع...
نظر هؤلاء الشباب إلى المستقبل وتساءلوا في أنفسهم وفيما بينهم...تُرى بم سيصفهم الواصفون بعد ذلك... وبم سيتحدث عنهم التاريخ لو أنهم فكروا في ترك ما لذ وطاب إلى ما هو خيبة وسراب؟!
إن هؤلاء الشباب يحبون الحياة الحرة الكريمة لذلك يطلبونها حثيثًا... ويكرهون الموت.. موت النفس وموت الضمير وموت القيم الإنسانية.. وموت الرجولة والشهامة... وموت العزة والإباء... والموت المتجلي بالانبطاح تحت الأقدام... لذلك يفرون منه...
إنّ هؤلاء الشباب وبالرغم مما وجدوا وعانوا؛ إلا أنهم لم ينسوا وصايا أئمة الهدى لهم موسى وعيسى ومحمد وأصحابهم جميعًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. فانطلقوا وهم يهتفون من أعماق قلوبهم لبيكم يا قادة الأمة... فلن نخون العهد... ولو قُتلنا... ولو قُلعت أظافر أطفالنا... ولو ديست أجسادنا ما دامت أرواحنا تحلق في سماء الحرية والكرامة...مضوا ولسان حالهم يقول:
مُضـيٌّ في طريق المجد حتى ننالَ المجدَ أو نلقى المنونـا
مُضـيٌّ لا تَـراجُع عنه يومًا ونأبى أنْ نـذلَّ وأنْ نهـونا
محمد جميل مصطفى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق