بسم الله الرحمن الرحيم
ما كنا نظن....
اتصلت قناة المشرق ((أورينت)) يوم الثلاثاء 26/4/2011 بالكاتب والصحفي حسين عويدات، وسألته عما يجري في درعا...من دخول للدبابات والمدرعات، وقصف على الأحياء ولاسيما أحياء ما يُطلق عليه الأهالي (درعا البلد)... فقال: الحقيقة ما كنا نظن أو نتوقع أن يُلجأ إلى كل هذا... ربما كان المتوقع دخول أفراد من الجيش ببنادقهم أو رشاشاتهم العادية...أما أن يكون الأمر بهذه الصورة المذهلة.. فشيء مثير للدهشة... والمقولة نفسها قيلت منذ ما يُقارب ثلاثين سنة حين تم اقتحام مدينة حماة ومدن أخرى... وجرى ما جرى فيها من أمور تقشعر لها الأبدان... وتقف العقول حائرة أمام هكذا نوع من تعامل سلطة مسؤولة مع شعبٍ برمته.. عندئذٍ قال كثيرون: ما كنا نتوقع ذلك!!
وفي الحقيقة سواء كانت مقولة الأستاذ حسين عويدات أو مقولة السابقين له زمنيًا؛ فصدور هذا القول أمر بديهي، بل ويجري على لسان كل امرئ تعود أن يتعامل مع الأمور بمنطق سليم، وبمقياس مناسب لما ألف حوله من أحداث... ولكن الذي نغفل عنه حين نطلق مثل هذه المقولات.. ونتساءل عن سر هذا التعامل الفريد والمميز من قبل سلطة مع شعب قُدر له أن يقع تحت هيمنة تلك السلطة.. الذي نغفل عنه هو أننا لم نسأل أنفسنا مرة عن الطبيعة النفسية والتركيبة الانتقائية والخلفية التاريخية والثقافية لتلك السلطة... والتي قد يردفها في ذلك شريحة قليلة جدًا ممن يُظن أنهم ذوو انتماء للمجتمع، ولكنهم في حقيقة الأمر جزء من السلطة بثوب مجتمعي...ولكون المجتمع السوري بأطيافه كلها ذا طبيعة تسامحية وبريئة فإنه أخذ يتقبل تلك الشريحة كجزءٍ منه، وهو يغض النظر عما يفلت منها من إشارات ترمز إلى طبيعتها.. ولكنه تفاجأ أن هذه الإشارات تحولت في زمن المحنة إلى ظاهرة ذات وجود فعلي، وما جرى مع أهل بانياس أو جبلة وغيرهما إلا دليل جلي على ذلك..
وتُعد معرفة العدو أو الخصم من أوائل مؤشرات النجاح والتغلب عليه في أي معركة معه... وبالمقابل إن ((الجهل بالآخر أو حسن الظن في غير مكانه)) يؤدي إلى العكس تمامًا..وما أظن أن الأستاذ حسين قد أبدى اندهاشه مما يحصل بسبب جهله بالطبيعة التي نتحدث عنها...ولكنه أراد بسؤاله ذلك أن يُسلط أنظار الناس ومستمعيه إلى حقيقة غائبة حاضرة، وتذكيرهم بالطبيعة التكوينية للسلطة التي اتخذت القرارات بشأن حماة سابقًا أو درعا أو غيرهما.... وهذا ما نرجحه، فليس الأستاذ حسين هو الذي يغيب عنه ذلك... والأمر أصبح من الوضوح بحيث لا يختلف فيه اثنان... فالطبيعة التكوينية للسلطة الفاعلة هي التي تجيب عن تلك التساؤلات... تلك الطبيعة المتأثرة بامتداد تاريخي إلى قرون عديدة... تمامًا كما يُطلق آخرون، وهم من الطبيعة ذاتها، شعارات الثأر وبقوة، لقضية انتهت تاريخيًا ومضى فاعلوها.. والعجيب أن المطلوبين للثأر منهم؛ هم أنفسهم ينظرون إلى ما جرى بإنكار شديد...ولكن يُراد منهم أن يدفعوا وبصورة مضاعفة ثمنًا لأخطاء لم يرتكبوها، والطبيعة التي نشير إليها تتجذر حين يكون المنطلق لدى أصحابها هو الماضي بآلامه وأخطائه...وهذه الطبيعة – مع الأسف - يتم توارث مقوماتها جيلاً في إثر جيل.... ومن الضروري التأكيد أنه ما من طائفة من طوائف المجتمع السوري مسؤولة عن وجود تلك الطبيعة... فالتعايش الجيد فيما بينها على مر السنين، بل القرون، يدل على نشازية وجود تلك الطبيعة وعلى رفضها جملة وتفصيلاً من جميع السوريين باستثناء الذين ابتلوا بهذا المرض، ونرجو لهم الشفاء منه.
والسؤال الآن ...ترى هل من سبيل إلى تجاوز هذا كله، ومحوه من الطبيعة الخاصة لدى هؤلاء الناس ؟ ربما يكون ذلك ممكنًا.. بل هو ممكن ولكن حين تتحقق الإرادة التحررية من ((إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)) ولن تتحقق هذه الإرادة عند من يقف عائقًا في طريق من يطالب بنيل الحرية البناءة التي تنهض بالمجتمع إلى أرقى درجات السمو في التفكير، والسمو في التعايش، والسمو في إنجاز المهمات الحاسمة لصالح الوطن... وحتى نصل إلى ذلك فلا نحسب أن الطريق سهل .. فهو شائك، وبالتأكيد سيدفع المجتمع الكثير من أبنائه ثمنًا لتلك الحرية، كما يحصل الآن، فما يحصل الآن ليس سوى خطوات في الطريق الوحيد للوصول إلى ذلك الهدف النبيل، وأي حيود أو تراجع عنه سيؤدي إلى مجهول قاتم، نسأل الله أن يجنب سوريا كلها الانتهاء إليه.
((ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا))
محمد جميل مصطفى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق