الأحد، 8 مايو 2011

الحرية ... والشباب السوري(2)

علمت السلطة أن ((الحرية)) للشعب تعني إنهاء جل ما عليه الواقع المعاش في أرجاء البلاد كافة.. إنهاء الرئيس الأوحد وإلى الأبد... وإنهاء هيمنة الحزب الواحد... وإنهاء سطوة القوى المرعبة (الأمنية)... ويترتب على هذا الإنهاء فضح ما كانت عبودية الشعب للسلطة ساترة له... فعبودية الشعب للسلطة تلجم لسانه من أن ينطق... وتشل عقله في أن يفكر أو يُحاكم في غير ما يسير في مصلحة السلطة... وتشل كل حراك فردي أو جمعي من شأنه أن يوقظ ما بقي نائمًا لمدة تزيد عن أربعين سنة في نفوس الناس.. فيرون ما هو خارج الستار المعتم الذي حجب كل شيءٍ عن عيونهم إلا ما تُلمعه السلطة، فالحرية فاضحة... وأول ما تفضحه تلك المقولة التي بقيت مستورة بتلك العبودية ردحًا من الزمن.. مقولة ((الممانعة)) و (المقاومة).. ومن الأمور المدهشة أن السلطة لم تنتظر حتى تفضحها الحرية بعد أن يستمتع بها كل فرد من أبناء الوطن... بل إن مجرد المطالبة بالحرية فضح السلطة وعرّاها ... ويتمثل ذلك الفضح والتعرّي في الممارسة القمعية والمهينة والمذلة للسلطة على شعبها المطالب بالحرية... وإذا كلن ابن منظور قد نفى أن يكون لكلمة ذل مرادفًا يقوم مقامها بدقة.. فإن عملية الإذلال والقهر لا يمكن أن يوجد لها مرادف أو نظير في أي عملية سلبية أخرى تمارس في حق شعب من الشعوب... فالتعذيب الجسدي لا يُطاق ولكنه لا يُخلف آثارًا عميقة في النفس كتلك التي يخلفها القهر والإذلال..وتحاول تلك الآثار في أي لحظة أن تتوثب على هذه النفس لتقتل فيها البعد الإنساني.. فيمسخ صاحبها إلى بهيمة وإن بقي في صورة إنسان... فالمذِل يسعى إلى تقزيم معاني الإنسانية في نفس ذليله، وتصغيرها حتى تصبح عدمًا، وعندئذٍ يفقد المذلول إحساسه نهائيًا بأنه إنسان...ويصبح منقادًا بكل طواعية إلى ما يُملى عليه... فيقول عن الأسود أبيض.. ويقول عن الخانع المستسلم ممانعًا... وهذا ما تريده السلطة القمعية... أما كيف تم فضح السلطة.. فهذا يتبلور في جواب على سؤال يطرحه كل مراقب ومهتم.. وهذا السؤال: هل السلطة التي عندها هذا النهم والشره في سفك دماء شعب قال لها نعم في كل شيء على مدى أكثر من أربعين سنة.. وليس فقط سفك دمه بل إذلاله بأغلى ما يملك... هل سلطة كهذه يمكن أن تفكر بأن يكون لديها ((ممانعة)) ضد الظلم... وتستطيع أن تخلص شعبًا (كشعب فلسطين مثلاً) من ذل فرض عليه  لأمد ... هل تملك حتى مجرد التفكير... ولو فرضنا جدلاً أنها فكرت فهل هي بالفعل قادرة على ذلك؟... إن الواقع يُجيب بالنفي... وهو شاهد صادق على صحة هذا الجواب... لأن ممانعة السلطة ومقاومتها لا تتم بآحاد قادتها ورموزها... بل بأفراد شعبها.. وأنى لشعب ذليل مستكين أن يكون في مقدوره تحرير شعب غيره... وهذه مسلّمة عبّر عنها عنترة حين قيل له: كُرّ يا عنترة... فأجاب: العبد لا يكرّ... ولما قيل له ((أنت حر)) قال: أما الآن فنعم.. وانطلق كالليث إلى المعركة.. وما أظن أن أحدًا - أيا كان - تغيب عنه هذه الحقيقة.. ولا حتى عن السلطة نفسها.. ومن هنا ندرك مدى الاستخفاف الذي تنظر به السلطة إلى الشعب حين لا تكف عن وصف نفسها بدولة ((الممانعة)) و دولة(( الصمود)) ودولة ((نصرة المقاومة)) وهذا إمعان في الإذلال... 
وهذا يجعلنا ندرك أيضًا كيف أن المطالبة بالحرية فضحت السلطة وأزالت عنها القناع... ولذا فإن من المنطقي بمكان أن نطلق على الحرية كلمة ((الفاضحة)) كما أطلق على سورة التوبة بـ ((الفاضحة)) فهذه فضحت المنافقين... وتلك فضحت المستبدين الكاذبين.
ابن آذار

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق