الثلاثاء، 17 مايو 2011

لماذا لا يتراجع طالبو الحرية عن مطالبهم؟


لماذا لا يتراجع طالبو الحرية عن مطلبهم؟
قال ربعي بن عامر لكسرى حين طلب مقابلته وسأله: ما الذي جاء بكم؟ أجاب ربعي: جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام... فالغاية من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هي تحرير العباد من التبعية للبشر.. ومنحهم الحرية.. ليمارسوا حياتهم وفقها.. تمثل ذلك في حرية اختيار الدين الذي يريدون.. (لا إكراه في الدين)، وحرية اختيار نمط حياتهم وطريقة معاشهم وأداء واجباتهم.. (افعل ولا حرج) ما دام هذا الفعل لا يؤذي الآخرين.. ولا يعتدي عليهم... وحرية إبداء الرأي بأمر ما، موافقةً أو مخالفةً ((فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء فليكفر))... وبالطبع نحن هنا لا نتكلم عن ثواب وعقاب أخرويين... وحرية التغيير من حال إلى حال ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر)..فالحرية مطلب فطري، ومطلب شرعي، ومطلب إنساني... وحَجرُها منتهى الظلم والإفساد... ولذلك نجد أن من ذاقها أو عرف مدلولها... فإنه يبذل كل غال من أجل نيلها... ولا طعم للحياة من غيرها... فحياة الإنسان بحرية تعادل الحياة الإنسانية.. والحياة بلا حرية تعادل الحياة البهيمية... وشتان بين الحياتين...ومن هنا نفهم تحرُّق الشباب في سوريا وهم يهتفون ((حرية))، وكأن حبيبًا غاليًا كانوا قد فقدوه ويبحثون عنه بكل ذرة في كيانهم، وبكل نبضة من قلوبهم، وبكل زفرة تصعد من صدورهم.... وهذا ما يجعلنا نفهم كيف أنهم يُرْخصون أنفسهم في سبيل الحصول عليها... ونفهمُ كيف أنهم يصرون على المضي قدُمًا ليحققوا إنسانيتهم بها.. وذلك مهما وُضِعت العقبات في طريقهم، وما الخروج الحاشد لهم في جمعة الغضب إلا أكبر دليل على صحة هذا القول... فلقد تحدى الشباب التحذيرات، والإنذارات، والتهديدات... وتجاوزوا الحواجز الإسمنتية، واستهانوا بالطلقات النارية... ومضوا يَهتفُون حرية... حرية.... ومن هنا فإذا أرادت السلطة أن توقف مسيرتهم هذه؛ فعليها أن تقابلهم بسلاح أقوى من ذاك الذي لدى الشباب أو يكافئه... إنه ((فهم معنى الحرية)).. ولا يملك هذا السلاح من كان عبدًا لهواه... من كان عبدًا لنفسه الشهوانية... من كان عبدًا لموروثات تكرس الانغلاق على فهم سقيم، فلا تسمح للعقل أن يفهم أو أن يعي أو أن يدرك المعنى الحقيقي للحرية...فهو يظن أن بضعة مئات من الليرات، أو خفض سعر سلعة أو أكثر.. أو تبديل اسم لقانون جائر باسم آخر..يظن أن هذه هي الحرية التي يلح الشعب على نيلها.. فلا يجد ردّا على ذلك سوى مزيد من الاحتجاج والإلحاح والبذل....وهو يغفل بذلك عن أن ما يفعله لا يصل حتى إلى درجة تقديم وردة بلاستيكية لمن بُح صوته وهو يطلب وردة طبيعية يفوح عطرها في الآفاق..ذلك لأنه يمكن أن تتشابه الوردتان في الشكل...أما ما يقدّم للناس على أنه تلبية لمطلبهم لا يشبه حتى بالشكل ما يريده الناس..فالحرية قيمة إنسانية سامية... والخبز والمال وغيرهما ضرورة جسدية تشترك كل المخلوقات الحية فيها..ونتيجة لهذا الخلط من الفهم تأخذ السلطة بالتخبط في جهالتها فتظن أن الرصاص والبارود، وحشد الآلة العسكرية بمختلف أنواعها؛ يُلجم اللسان المنادي بالحرية... ومتى كانت المادة قاهرةً للروح..؟ ومتى كان الظلام ماحيًا للنور؟... فآية الليل هي التي مُحيت ((فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)).. ومتى كان نَعِيْبُ الغرابِ يطمس ويطغى على شدو البلابل، ولحنِ العندليب؟... فحين يستيقظ الإنسان.. قلما يسمع نعيب غراب... ولكن نفسه تمتلئ بهجة بزقزقة عصفور هنا، وشدو بلبل هناك، وهذه سنة الله في خلقه.... ومتى كان الزور طامسًا للحقيقة... الزور الذي يحاول أن يسحر أعين الناس وأسماعَهم بواسطة التهم الخرقاء... والقذف الرخيص...هذا الزور لا يمكن أن يطمس حقيقة ((لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات فاقض ما أنت قاض). من أجل كل هذا لن يتراجع ناشدو الحرية عن مطلبهم... وسيمضون صابرين ومصابرين ومرابطين، وهم يهتفون حرية... حرية... ومن كان منهم مُلِحّا في طلبها، ومتعطّشًا إليها، وتتوق نفسه للاستمتاع بها وأحس ببطء قدومِها.. فإنه يختصر الطريق، ويسارع إليها شهيدًا .. ليحظى بها في ظل الرحمن... وروحه تهتف بالذين تركهم من بعده سيرون على الطريق... هيا .. هيا... يا إخوتي..فطعم الحرية لذيذ... لا تتأخروا في طلبها...ولا يصرفنّكم عنها صارف..وسنسعد أكثر حين تحصلون عليها.... ورحم الله أحمد شوقي الذي قال:
            وللحرية الحمراء بابٌ     بكلّ يد مضرّجة يُدق
وأذكر أنني خاطبت هؤلاء الشباب عبر صفحات شبكات الاتصال الاجتماعي في بداية حركتهم مؤكّدًا على سلمية هذه الحركة، فالرفق يأتي بما لا يأتي به العنف، وقلت لهم، فلنغير بيت شوقي ليصبح:
            وللحرية البيضاء باب      بكل يدٍ معطّرة يُدقّ
ولكن يبدو أن زكامًا قد أصاب بعض الأنوف فلا تستطيع أن تشم عطر تلك اليد.. وتصر على شم رائحة الدم والبارود...
لكن سنقول مرة أخرى ستطغى رائحة العطر على رائحة الدم والبارود بإذن الله..((ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله))
          ((والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون))
السبت 26/جمادى الأولى/1432 الموافق لـ 30/نيسان/2011
محمد جميل مصطفى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق