الثلاثاء، 31 مايو 2011

سمع الله شكواك يا أم أحمد


سمع الله شكواك يا أم أحمد...
بينما كنت أشاهد عرضًا لصورة الشهيد أحمد الضحيك، من حمص، الذي قتلته يد الغدر؛ متلبسًا باستخدام جواله لتصوير مظاهرة... سمعتُ من بين الأصوات صوتَ امرأة من قلب مكلوم، وبنفَس محموم... سمعتُها تقول موجهة كلامها إلى قاتلي ابنها (( الله يصطفل([1] )  فيك... الله يصطفل فيكم.. )).. كان صوتها يخترق كل حجاب.. ويُدمي كل قلب.. ويُبكي كل عين... منا نحن البشر... عندئذٍ تذكّرت رحمة الله وعظمته، وعدله، واستجابته لمن دعاه.. ونصرته لمظلوم توجه إليه .. وتذكرت خويلة بنت ثعلبة، وقد جاءت تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أمرٍ ضايقها... ولم تلبث إلا أن شرفها الله تعالى بذكرها، والإشارة إلى شكواها، بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة ويُتَعَبد بتلاوته... ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ))  وأنزل ما يطيب خاطرها ويحل مشكلتها...
وها أنت يا أم أحمد، تجأرين إلى الله بشكواك على أولئك الذين حرموك من فلذة كبدك، وثمرة فؤادك... حرموك من بره وحبه... حرموك من نظرة حانية إليه، وهو يخطر أمامك في المنزل.. وهو يودعكً مغادرًا البيت، أو مسلمًا ومحييًا حين يعود إليه... كنتِ ترين بهذه النظرة أن نعيم الدنيا كلَّه لا يعدلها فيما تجلب إليك من سعادة تغمر قلبك.. ونشوة تسري في عروقك...فاطمئني يا أم الشهيد... ولتطمئنَّ أمُّ كل شهيد مثلك أن الله يسمع شكواكن جميعًا..يسمع وجيب قلوبكن ... يسمع خلجات صدوركن.. يسمع الآهات والزفرات وهي تنطلق منكن مع كل شهيق وزفير...ويشارككن الملأ الأعلى بالدعاء إلى السميع المجيب في شأنكن..وما عليكن إلا قليلاً من الصبر لِترَيْن تلك الاستجابةَ واقعًا ملموسًا أمامكن... تعيشونه مع كل من يحس بمعاناتكن...نعم سيقر الله عيونكن؛ فترون الطاغوت وأزلامه في حالة يتمنون فيها الموت ولا يجدونه... عندئذٍ سينتابكن إحساس غريب...إحساس بسعادة من نوع خاص... مبعثه أرواح الشهداء وهي ترفرف فوقكن... وهي تشهد معكن نهاية الطاغوت، وسقوط أركانه...إحساس تكشفه عيونكن البراقة بالأمل، والشكر لله... ووجوهكن المشرقة.. وألسنتكن التي ما فتئت منذ ارتقاء أبنائكن إلى الرفيق الأعلى تدعو، وتشكو، وتسأل، وتحمد، وتشكر... هذه المظاهر المضيئة والمعبرة يراها عليكن الكبير والصغير.. المرأة والرجل... ولا يسع أي رائيةٍ لكن من غيركن إلا أن تهمس وتقول: ليتني أمًا لشهيد .. فأي تكريم أكبر من هذا وأنتن ما زلتن في الدنيا... فكيف بكن وأنتن هناك... في دار البقاء... دار العدل... دار الجزاء... دار نعيم أهل البلاء...في ظل عرش الرحمن....فقليل من الصبر يا أخَيات...وكثير من الدعاء إلى رب الأرض والسموات..
أمّ الشهيد تصبري       فغدًا تُقرّ الأعـينُ
وترين قاتله يُـدا       س بأرْجلٍ أو يلْعنُ
يُومَى إليك تعجّبًا        وتنال ذكركِ ألسنُ
هذي عميدة حينـا      بقلوبنـا هي تسكنُ
الثلاثاء 28/جمادى الآخرة/1432 الموافق لـ 31/أيار/2011
محمد جميل مصطفى


([1]) يصطفل: كلمة شائعة عند معظم السوريين ويُقصد بها حين يُخاطب بها شخص بأنه حر في أن يتصرف ما يشاء بالموضوع الذي هو مادة الحديث.. وهنا تفسر بأني فوضت الله بأن يعمل بكم ما يشاء على ما أقدمتم علبه.

الاثنين، 30 مايو 2011

معذرة فإنا عاجزون...


بسم الله الرحمن الرحيم
معذرة فإنا عاجزون.. ولكن....
نعم أيها الطفل البطل... ومجاراة للعرف اللغوي نقول: نعم أيها الفتى البطل... نعم نحن عاجزون... ولسنا نحن فقط العاجزين.. بل كل بني البشر عاجزون عن اتخاذ الموقف الذي يليق بشموخك يا حمزة...فقد توجت بطولتك بما رأيناه في آخر ما أوصلك إليه صمودك وشجاعتك... إن ما رأيناه هو ثمرة صمود وتحد كبيرين من قبلك أنت، وهو نفسه ثمرة حقد دفين من قبل قاتليك..لذلك كان البشر عاجزين عن توفيتك حقك..ويمكنهم أن يتخلصوا من هذا العجز فقط في حالة واحدة... حين يكونون مثلك... وربما لن يُتاح ذلك لأحد خارج سوريا.... لأن هناك جهتين شاركتا في بطولتك... الأولى هي نفسك التي بين جنبيك... ويُلحق بها بيئتك التي درجَتْ فيها طفولتك التي لم تكتمل بعد... وعلى رأس الفاعلين في هذه البيئة أبواك.. .. نعم أبواك اللذان أرضعاك الكرامة والعزة والإباء مع الحليب الصافي الطهور حين أعطتك إياه أمك من معين شموخها وطهرها وأصالتها... وأما الجهة الثانية فهي (آلة الإجرام) التي اتّخذت من سوريا عنوانًا ومرتعًا لها في الأيام التي سبقت استشهادك... هذه الآلة التي لم يشهد التاريخ المعاصر مثيلاً لها.. حتى عند أولئك الذين يصنف البشر دولهم في الأخير... من حيث الجهل والتخلف والتوحش... ولذلك قلنا لن يُتاح لأترابك من خارج سوريا  أن يرتقوا إلى ما ارتقيت... لأنهم وإن توفرت فيهم صفاتك الحميدة واحتضنتهم بيئة كبيئتك.. إلا أنه لن تتوفر لهم خارج سوريا آلة إجرام تصنع بهم ما صُنع بك...
من هنا أيها الطفل البطل الشهيد يتولد العجز لدينا ولدى غيرنا في أن نتخذ ما يناسب عظمتك وموقعك وأنت تُزف إلى جنات ونَهَر في مقعد صدق عند مليك مقتدر..
أيها البطل... لقد كان استشهادك وسامًا زينتَ به صدر أبيك وأمك وقد كُتب فيه..
نشأتُ على الكرامة فافهموني    إذا ما متُّ من أجل القضية
لَمَوتٌ فيـه غيظٌ لِلأَعَـادي     أحَبّ إلي من عيش الدنيّـة
أيها البطل... لقد شرّفت باستشهادك كل أهل الجيزة... بلدتك التي عُهد عنها أنها تكون هادئة وادعة حين لن تُمس في شرفها وكرامتها.. ولكنها تنقلب إلى بركان ثائر، وطوفان هادر حين يتعلق الأمر بشرف أو حرية أو كرامة...
أيها البطل... من جهة أخرى كان استشهادك أولاً والمثلة بك ثانيًا وصمةَ عار تُدمغ على جبين كل من يُبقي على أي صورة من صور التحالف أو التأييد أو حتى التبرير لمن قتلك.. لمن مثّل بك... لمن تلذذ بتعذيبك... لمن انتفش وهو يحس بنصر مزيف ومكذوب تاركًا بصمات وحشيته جليّةً في تلك الكدمات والحروق والطعنات في جسدك الغض الطهور...وصمة عار كُتِبت بحروف؛ هي طلاسم وألغاز عند الذين لا يفقهون ولا ينتمون للطبيعة الإنسانية، ولكن الأحرار والشرفاء يستطيعون فك تلك الطلاسم ليجدوها بيانًا سلطويًا يقول: يا شعب سوريا... نحن الموقعين أدناه.. نعلنُ بأن ما ترونه على جسد الفتى هو جزاء كل من ينطق بالحرية ولو كان طفلاً... فلْتعلموا أننا نحن الممانعون لتطلعات وآمال الأطفال...ونحن الصامدون في وجوههم وهم يتحركون نحو تلك الآمال.. كما أننا نحن المحبطون لمخططات ((الحرية)) التي تحاك لحمتها وسداها في الخارج!!..
أجل يا حمزة.. لقد كانت  تلك الحروق والنّدبات والكدمات شاهدًا حيًا وناطقًا على جرائم بامتياز وقعت في القرن الحادي والعشرين..وعلى ثرى بقعة من الأرض تدعى سوريا...  
أيها البطل.... لقد كان استشهادك نداءً انطلق من قلبك الحي..وإحساسك المرهف وضميرك اليقظ.. لكل أطفال سوريا.. فكنت فيهم خطيبًا بحق ..وقلت لهم:هلموا إليّ.. فعندي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر... بل عندي أكبر من ذلك... عندي رضوان الله تعالى الذي يجلب راحة للنفس وطمأنينة للقلب... ولكن إياكم أن تأتوني من غير أن تفعلوا كما فعلت.. أتدرون ما فعلت يا أصدقائي في الوطن الغالي...؟ كنت أُرِي الجلاوزة الحاقدين.. كبريائي... كنت أتحداهم بلساني الذي يهتف حرية.. حرية.. ولما امتدت أيديهم الآثمة لقطعه ولم يتمكنوا دقّوا رقبتي... كنتُ أرفض الاستعباد الذي يدعونني إليه.. كان كل سوط يُلهب جسدي... وكل طعنة غادرة في بدني.. وكل كلمة قذرة تخرج من أفواههم لتنال من أهلي وبلدتي وعائلتي وعشيرتي..كان كل ذلك يجعلني أزمجر في وجوه هؤلاء الأقزام، وحقيقة كانوا في نظري أقزامًا..، وإن كانوا في صورة عماليق كالخشب المسندة.... كنت أصرخ في وجوههم... لا ... لن ترون مني إلا ما يغيظكم... ولن أعطيكم ما تريدون ما دامت لي عين تطرف...
أيها البطل... يا حمزة الخطيب... لم يكن استشهادك، فقط، لبنة في بناء الحرية والعدالة.. الذي يسعى الشعب السوري لتشييده ويجبل ملاطه بدمه... بل كان استشهادك هو الأساس الصلب القوي المتين.. لذلك البناء.. لقد ألقى استشهادك في روع كل سوري.. ألا تردد ولا تراجع يا شباب... فالبناء الذي أساسه قوي... لا يمكن أن ينهار... فامضوا وحققوا ما مات عليه حمزة....
أيها البطل .. وكان دمك الذي سال بحراب الجلاوزة وقودًا يغذي الثورة ويمنحها العزم على المضي... وكأنه يقول لشبابها: صحيح أن الطريق قد يطول... ولكن الوقود وفير.. يصلكم من نبع لا ينضب... نبع تفجر من أول قطرة دم سالت على أرض سوريا الحبيبة..فامضوا ولا تترددوا فإن مسافة الألف ميل تُقطع بأول خطوة...
أيها البطل... من أجل هذا كله ومن أجل غيره نرى أنفسنا، نحن الذين ذرفنا الدموع سخية حين علمنا باستشهادك، ووقفنا بإعجاب أمام بطولتك.... نرى أنفسنا عاجزين حتى عن أداء تحية تليق بك... فمعذرة... ولكن لا عذر لنا إن توقفنا... فالمرء لا يُعذر إن أقدم على ما فيه هلاكه... لذلك لن نتوقف... وطبْ نفسًا بفتيان مثلك في عمر الورود يهتفون جميعًا ((كلنا حمزة))... ولسان حالهم يقول لك:
لبيك حمزةَ والنفـوس تمــور      تبًّـا لِمَـن لم يستجبْ ويخُورُ
ستطيبُ نفسُك من مُضيّ أحبّـةٍ      فيمـا مَضيتَ وكلّهم مَسرورُ
حتَى ينَالوا ما قَضيْـتَ لأجلِـهِ      وتُزيّنَ الأرضَ الطّهورَ زهورُ
ونَرَى غُرابَ البين ولّى صاغِرًا      قدْ طاردتْه بلابِـلٌ وصقـورُ
محمد جميل مصطفى   
        

الخميس، 26 مايو 2011

يا كاتب التاريخ عن سورية


بسم الله الرحمن الرحيم
هدية إلى شباب الثورة..
يا كاتب التاريخ عن سورية..
شِعرُ/محمد جميل جانودي
يَاْ كَاتِبَ التَّارِيْخِ عَنْ سُـوريّةْ          قِـفْ بِاحْتِرَامٍ، إنَّـهَـا لَحَـرِيَّةْ
بِيَمِيْنِكَ اكْتُبْ يَا أُخَيَّ مَلاحِمـًا          تَجْرِيْ هنَـاكَ بِنَفْـحَـةٍ قدُسيَّةْ
أبْطالُهَا غُـرٌ وإنَّ مِـدَادَهَــا         جَادُوا بـِهِ في دفْـقَـةٍ دَمَـوِيَّةْْ
اغْمِسْ يَرَاعَكَ فِي بِحَارِ دِمَائهمْ        لِيَخُطَّ سِفْـرَ "الثّـوْرَةِ السُّوريَّة"
سُورِيّةُ الْبـلدُ الأشمُّ بشَـعْبِـهِ          فِيْ صَبْرِهِ، والصَّبْـرُ فِيْهِ مَزيّةْ
سُوْريّــةُ الأمُّ الرؤُوم لِفِتْـيَةٍ          بَاعُوا النُّفُـوْسَ رَخيْصةً ونَديّـةْ
بَذَلُوْا النّفيسَ لِنَيْلِ أسمَى بُغْـيةٍ          هَتَـفُوْا لَهَا: ((حُريّةٌ))((حُرِّيةْ))
نَظَرُوْا فَألْفَـوْا فَوْقَهُم مُتَجَبِّـرًا         مُتَغَطْـرِسًا، وَرُؤُوْسُـهُم مَحْنِيّةْ
يَرْنُوْ إليْـهِمْ مِنْ عَـلٍ وكأنّـهُ         مِنْ فَـرْقَـدٍ، مِنْ مَـاسَةٍ عُلْويّةْ
أمّا هُمُ، فَحَصًى يُداسُ ويُزدَرَى         وأصُوْلُـهُم مِنْ تُـرْبـةٍ طينِيَّةْ
سمِعُـوْهُ يَهْتِفُ قَائِلاً مُسْتَكْبِـرًا         أنَا سُلْطَتِـي بيْـنَ الوَرَى أَبَديّةْ
أنَا مُلْهَمٌ فِـي حَلّ كلّ قضيّـةٍ          ومُخَـالِفِي ذُوْ كِذْبـةٍ وفَرِيّــةْ
أنَا سيّـدٌ ومُمَـانِـعٌ ومُـقَاوِمٌ          للغَاصِبِيْنَ بخُـطَّتِـي وَيَـديّـَهْ
مَا كانَ مِنّيَ فَهْـوَ حَقٌّ سَاطِعٌ          أمَّا سِـوَايَ فَبَــاطِلٌ وَرَزِيّـةْ
نَظَرُوْا قَليْـلاً للْوَرَاءِِ فَشَاهَدُوا          أهْـلاً لهُـمْ بِسُجُـونِـهِ مَرْميّةْ
ورَأَوْا دِيَارًا تَحْتَ ظلّ عَدُوّهمْ          كانَـتْ لَـدى أرْكانِـهِ مَنْسِيّـةْ
مَرَّتْ عُقُودٌ لَـمْ يُحَرَّكْ سَاكِنٌ          مِنْ أَجْـلهَا، في بُكْـرَةٍ وعَشِيّةْ 
وَرَأَوْا حَقَائقَ زُوِّرَتْ أَوْ لُفِّقتْ           ورَأَوْا نُمُـورًا إنّمَـا ورقيّــةْ
ورأوا عِصَاباتٍ تَبيْعُ وتَشْتَري          وكأنّ سُـوريّـا لَهُـمْ مَحْميّـةْ
وَرَأَوْا خِيـَانَاتٍ بثَـوْبِ أَمَانَةٍ          ورَأَوْا نُفُـوْسًا للدّمَاءِ شَهيّــةْ
وَرَأَوْا ثَكَالَى أوْ أَيَامَى خُشّـعًا          وجِـرَاحُهُمْ بِقُـلوبِهمْ مَخْفـيّـةْ
ورَأَوْا فِئامَ النّـاسِ هَامُوْا ذِلّةً           سِيْمُوْا العَـذَابَ كَيَاسِرٍ وسُميَّـةْ
ورَأوْا جُمُوعَ النَّاسِ تنشدُ حقَّها          بِتَحَـضُّـرٍ ((سِلْميّةٌ)) (سِلْميّةْ))
فَأتَى رَصَاصُ الحِقْدِ نَحْوَ صُدُوْرِهُمْ.... يَحْكِي دَنَـاءةَ زُمْـرَةٍ هَمْجيَّـةْ
وَجَدُوْا الدّمَاءَ تَسِيْلُ مِنْهُمْ أنْهُرًا          تَجْـريْ لِتَسْقِيَ غَرْسَةَ الحُـرِّيّةْ
فَغَلا دَمُ الأحْرارِ فِيْهِمْ صَارِخًا          آنَ الأوانُ لِغَضْبَـةٍ مُضـرِيّـةْ
آنَ الأَوَانُ لِكَيْ نُحَـرّرَ أمّـةً           مِنْ خَـوْفِهَـا، مِنْ طُغْمةٍ دُونيّةْ
يا شَعْبَ سُوْرِيّـا لأَنْتَ أمَانةٌ           ورقَابُـنَـا يَـا شعبَنَـا لَوفيَّـةْ
سنُعِيْدُ مَجْدَكَ يَوْمَ كُنْتَ مُسَوّداً           سَتَرَى العَـدُوَّ بِـذلّة ودَنِيَّــةْ
ستَرَى لَنَا فِي كلّ يـَومٍ وِقفَةً           فِيْ بَلْدَةٍ فِي قَـرْيَةٍ وقُـرَيّــةْ
تَشْـدُوْ حَنَاجِرُنَا بِأغْلَى مَطْلَبٍ          حُـرِّيَّـةٌ، حُــرِّيّةٌ ، حُرِّيَّـةْ
إنّــا لَنـعْلمُ أنّـهَا لَثميـْنَةٌ           ودِمَاؤُنـَا مِنْ أجْلِـهَا لَهَـدِيّـةْ
يا شَعْبَ سُوْرِيَّا اطْمَـئِنّ فإنّمَا          أرواحُنـا هِبَـةٌ لَهـَا وعطيّـةْ  
لا لَنْ نعُـوْدَ إلى الوَرَاءِِ فَقَوْلُنَا          وعْـدٌ وإنَّ وعُـودَنَا مَقْضِـيّةْ
نَمْضِي لِنُبْصِرَ نَصْرَنا فِيْ شامنا        فِيْهَا نَمُوْتُ وَتَنْبُتُ الْحُـريَّــةْ
إمّا حَـيـَاةٌ حُـرّةٌ وكَرِيْـمَـةٌ         أوْ جَنَّـةٌ فِيْهَا الْحَيَــاةُ هَنِيّـةْ
الإثنين 13/جمادى الآخرة/ 1432 الموافق لـ 16/أيار/2011


بقرة بني إسرائيل والقتلة في سوريا..


بسم الله الرحمن الرحيم
بقرة بني إسرائيل والقتلة في سوريا....
في عهد موسى قُتل رجل من بني إسرائيل... ولم يُعرف القاتل.... فجاء نفر منهم إلى موسى عليه السلام طالبين منه أن يكشف القاتل، وهم مقتنعون في قرارة أنفسهم أنه لن يستطيع، وبذلك يكون إحراجًا له، وتضعيف الثقة عند من آمن بموسى وبرسالته... فهو أمر مبيت ليحققوا من ورائه أهدافًا عدة.. أهمها التشكيك برسالة موسى صلى الله عليه وسلّم... وأخذ كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلقي بها على آخرين..  ولكن الله عز وجل يمحق كل كيد... ويُبطل كل مكر... فقال لموسى: مرهم أن يذبحوا بقرة... ففاجأهم الأمر... وبدت الدهشة على وجوههم.. إلا أنهم بعد نقاش وجدال استجابوا وذبحوا البقرة... وأخذ كل منهم ينظر في وجه صاحبه وهو يترقب الخطوة التالية... وربما خطر ببالهم كل شيء إلا أن تكون هذه البقرة هي التي ستكشف القاتل، وتفضح خططهم وكيدهم... عندئذٍ أمرهم موسى أن يأخذوا بعضًا منها ويضربوا به المقتول... وما إن فعلوا ما أمرهم حتى أحيا الله المقتول ونطق باسم قاتله.. وانكشف أمرهم، وبطل كيدهم، وخاب فألهم... وقويت حجة موسى بأنه رسول الله، وازداد المؤمنون به إيمانًا وتسليمًا...
وفي سوريا اليوم كثر القتل في جهات عدة.. منها المتظاهرون العزّل الذين يطالبون بحقوقهم، ومنهم بعض أفراد الجيش الذين أرسلوا كما يقول المسؤولون لتثبيت الاستقرار والأمن.. ومنهم أفراد في قوى الأمن نفسها... ومن وجهة النظر القانونية يكون المسؤول عن كل هؤلاء السلطة.. لأنها الحاكمة ... لكنها تقول لا علاقة لي بقتل المتظاهرين... وتلقي بتهمة قتل الجميع إلى جهة اقرب ما تكون – حتى الآن – إلى أنها وهمية، على الأقل، في نظر الرجل العادي الذي يرقب الأحداث... ومن جهة ثانية فإن الطرف الآخر( المتظاهرين ومؤيديهم) يُلقي بتهمة القتل على السلطة نفسها... وهكذا غدا كل طرف يدرأ التهمة عن نفسه.. تمامًا كما فعل فرقاء بني إسرائيل ... والسؤال هنا.. إذا كان كما يقول كثير من المفسرين في مسألة البقرة أن الله جعل ذلك إكرامًا لموسى، وانتصارًا لحقٍ هو أكبر من مسألة كشف قاتل... فكثيرون يَقتلون ولا يُكشفُ أمرهم في هذه الحياة الدنيا... هذا الحق المتمثل بتثبيت موسى النبي ومن آمن معه على دينهم، وعدم تركهم لزوابع المرجفين من بني إسرائيل تأخذهم ذات اليمين وذات الشمال...مترددين، يقتل يقينَهم شكٌ يلاحق نفوسهم، منبعثٌ من سؤال واحد لدى الجميع: لو كان موسى نبيًا حقًا لعرف القاتل... ويبدأ يتسلل الشك إلى نفوسهم شيئًا فشيئًا حتى تغدو الدعوة ومبادئها في خطر عظيم... ولذلك نصر الله موسى ومن معه بالبقرة... وانكشف كيد الكائدين وبطل مكر الماكرين...
ترى هل لسوريا من يقرة يُكشف بها القتلة... فكل من الطرفين يدعي أنه على حق... السلطة تقول إن مؤامرة كبيرة تُحاكُ ضدها من قبل قوى الاستكبار العالمي.. لثنيها عن مواقفها التي تدعيها منذ زمن.. وأن هذه القوى سخرت عصابة مندسة لتنفيذ خطتها...وتدرأ عن نفسها تهمة القتل بإلصاقه بالعصابة... أما الطرف الآخر وهم المحتجون فيقولون أنهم صبروا على الظلم والقهر والكبت ومنع الحريات عنهم، والملاحقات الأمنية عقودًا من الزمن، ولا يرون فيما تدعيه السلطة إلا زعمًا وادعاء، وأن الحقيقة هي خلاف ذلك.. ويلقي المحتجون ومؤيدوهم بتهمة القتل على السلطة... وبغض النظر عن مقولة (( من وضع نفسه موضع الريبة فلا يلومن إلا نفسه..)) والتي تعني السلطة فقط لأنها منعت جميع وسائل الإعلام الخارجية من أن تدخل إلى سوريا وتشرف بنفسها على الأحداث إشراف مراقب، لتعرف حقيقة كل دعوى ... أقول بغض النظر عن هذه المقولة... التي تكاد مع قرائن أخرى تشير إلى القتلة من غير تلكؤ... فهل من بقرة تناسب معطيات القرن الواحد والعشرين للميلاد تظهر لتقول للقاتل أنت القاتل وللبريء أنت البريء...كأشرطة الفيديو وتحليل البصمات الوراثية (الأحماض النووية D.N.A)، وأجهزة قياس السرعة، وطبيعة التربة التي دفن فيها القتلى، وقارعة الضمائر لدى بعض من شاركوا في القتل أو شاهدوه، هذه القارعة التي توقظ ما تبقى من تلك الضمائر لتعلن على الملأ (( وشهد شاهد من أهلها))..  أقول ذلك لأن المسألة هنا، هي أيضًا، لا تقف عند حد كشف جريمة قتل عادية... بل إن في كشفها الفرقان البين والدليل الواضح على صدق أحد المدعين... وعدم تعرض الناس لفتنة الزيغ أو الضلال...وإن في كشفها يتحدد مصير ديار هي الأحب إلى الله وهي التي بارك فيها الله.. وهي التي لو فسدت لما كان ثمة خير في الأرض... أقول ذلك وأعلم يقينًا أن كثيرين غيري سيعتبون علي ذلك لأن المسألة هي من الوضوح والجلاء بحيث لا تحتاج إلى ((بقرة)). ولكنني أريدها ((على مثل الشمس فاشهد أو دع))
وإن الأمل بالله كبير في أن يحفظ شبابًا وهبوا أنفسهم وأرواحهم للحق والحقيقة من كل فتنة، ومن كل حيرة.....فيصدّق ما ذهبوا إليه، بوسيلة ما (تخطر أو لا تخطر على بال) كبقرة بني إسرائيل،  وأيضًا إن الأمل به كبير في أن يُظهر الحق أبلج جليًا، ليندحر أهل الباطل اندحارًا ليس فيه لَبْس أو إشكال.. ومن ثم يذهبون غير مأسوف عليهم، ولا يُقال عنهم: قد كان فيهم بقية من خير... وليعلو أهل الحق علُوًا نزيهًا نقيًا؛ يحْمي هذا العلوّ من أن يُلوّث بأي لوثةٍ تحط من صفائه ونقائه...!!! ويُخرس ألسنة تعودت أن تلوك عبارات هي نوع من الهرطقة والدجل...  وإن غدًا لناظره قريب...والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون...
محمد جميل مصطفى.  

الاثنين، 23 مايو 2011

بينات لا يفهمها الطغاة


بسم الله الرحمن الرحيم
بيّنات لا يفهمها الطغاة
حين يكون شخص ما مسافرًا ؛ وفجأة يجد أمامه لوحة كتب عليها: انتبه.. لا تتابع فالموت ينتظرك.. هذا الرجل يتوقف قليلاً ... يفكر.. ولكنّه يحزم أمره حين يرى من بعيد شخصًا مضرجًا بدمائه يزحف من الجهة التي حُذر منها.. فيعكس اتجاه سيره ويرجع.. من حيث أتى...
واللغز الذي يحير العقول، ويجعلها مشدوهة أمامه... هو ذلك الإصرار من قِبَل شباب سوريا على المضي في طريقهم الذي بدؤوه منذ الخامس عشر من آذار لعام ألفين وأحد عشر... يتابعون طريقهم وهم يرون لوحات كتب عليها... ستقتلون..فلا تستمروا...ستدفنون في مقابر جماعية فارجعوا...سترون في نسائكم وأطفالكم ما لا يروق لكم فتوقفوا..  لكنهم يمضون وتراهم يشاركون في حمل من استمر من إخوانهم وقُتل.. ليودعوهم  – إن استطاعوا - في مكان يأمنون عليهم من وحشية القاتل.. ذاك الذي تحدى القتلة في العالم كله من أن يصلوا إلى مستواه في دناءة القتل وقذارته!! وإن لم يستطيعوا إيجاد ذلك المأمن..يتركون قتلاهم وهم يقولون.. أرواح قتلانا في عليين وهذه ليست إلا أجسادًا من تراب وطين...ويهتفون ((بالملايين للجنة رايحين))..
يمضون وهم يسابقون الزمن إلى حيث مطلبهم وبغيتهم..يمضون وهم يرون الدماء تسيل، والحرمات تُنتهك... والأطفال تُشوه.. والأموال تُنهب... وفي طريقهم يسمعون صيحات من هنا وهناك ... توقفوا عن إيقاظ الفتنة.. فلعنة الله على موقظها... توقفوا عن التسبب في مزيد من الدماء وتناثر الأشلاء... كفوا عن مضيكم الأرعن المشبوه.. فما تطلبونه قادم إليكم فوق بساط الريح!! وهم يرون أن هذا البساط محمول على أكتاف (شبيحة) متمرسين في حمل الدمار والموت ...لكنهم يمضون في طريقهم وكأن تلك الصيحات ارتدت إلى مطلقيها محملةً بلعنات الإرجاف والتثبيط.. بلعنات الدجل والكذب..ارتدت حين اصطدمت بجبال من الصبر والصمود والثبات عند أولئك الفتية... ولسان حالهم يقول لأصحاب تلك الأصوات... ((لن نؤثركم على ما جاءنا من البينات)) .. تلك المقولة التي جهر بها سحرة موسى وهم يلقون بعربدة فرعون عليهم بالتهديد والوعيد..يلقونها وراء ظهورهم وكأنها بعوضة تطن في فلاة.. قالوا له ((لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات))
ولندع ما ذهب إليه المفسرون في توضيح تلك البينات.. التي جعلت سحرة فرعون يتحدّون الطاغية ويقولون له: ((فاقْضِ ما أنْت قاض)).. ولننظرْ في بينات هؤلاء الشباب... الذين حرص فرعون العصر على أن يجعل منهم سحرة يسحرون أعين الناس، ويقنعونهم قسرًا بصحة ما يُطلَق من شعارات تأبى أن تجد لها مكانًا في أعماق نفس تذوقت، فطريًا، مفاهيم الحرية والكرامة والإباء ... نعم حرص فرعون العصر على أن يجعل هؤلاء الشباب سحرة يحملون سِفر دجله وتزويره في أنه وحيد عصره، وفريد زمانه.. وأن العالم كله أقل من أن يناسب كبرياءه وجبروته وعبقريته ليحكمه!!! أراد لهم ذلك ولكنهم حين رأوا البينات قالوا بملء أفواههم: لا... وألف لا...
تُرى فما تلك البينات التي رآها هؤلاء الشباب؟ حتى جعلتهم يقولون لفرعون عصرهم: اقض ما أنت قاض.. اقتل ما شئت وكيف شئت...وبما شئت... فما تذوقناه ورأيناه بعين البصيرة والبصر.. أكبر بكثير مما تتوعد به وتهدد... إن الذي رأيناه لا يفهمه الطغاة أبدًا.. تمامًا مثل فرعون فإنه لم يفهم أنه بشر مثل غيره من الناس.. وأن للكون ربًا هو وحده الذي يديره ويتصرف به كما يريد.. ولم يفهم أنه لا يعدو أن يكون كفرد واحد من أولئك الذين يستعبدهم ويذلهم إن لم يكن أقل منهم شأنًا ...
إن هؤلاء الشباب يقولون.. تذوقنا طعم الخلاص من الخوف الذي عشعش في قلوبنا وقلوب آبائنا من قبل؛ فقتل كل قيمة كريمة، وصفة أصيلة ونبيلة أودعها الله في نفوسنا حين سلّمَنا، جل جلاله، إلى آبائنا وأمهاتنا وهم صم وبكم وخرس من تأثير ذلك الخوف... يقولون أضفنا إلى معجم مفرداتنا اللغوية كلمة ((لا)) بعد أن نُزعت من ذلك المعجم لعقود... ونُشّئنا قسرًا على ((نعم)).. نعم للقائد... نعم للرمز... نعم (للصمود) وأي صمود...؟ نعم (للتصدي) وأي تصد.....؟ نعم (للممانعة) وأي ممانعة..؟ نعم (للتوريث) ... نعم للذل.. نعم للقهر... نعم للإعدام لفئة ذات فكر معين.. لا الإعدام الفكري.. بل الإعدام الجسدي...نعم لتميز فئة من الناس على من سواهم .. لا لعلمٍ استأثروا به... ولا لعمل عظيم أنجزوه... ولا لاختراع ينفع البشرية أسدوه إليها.. لكن لأنهم من حزب يجيد القنص ...
إن هؤلاء الشباب يقولون: إن بين ما رأوا من البينات التي جعلتهم يمضون بإصرار وثبات في الطريق.. هو تنسمهم لعبير الحرية.. وتذوقهم للذة طعمها...عبّر عن ذلك أحدهم حين قال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد طلقة غادرة...الحمد لله فقد ذقت طعم الحرية لأربعة أيام وهذا يكفيني...أجل ظهرت لهم تلك البينات جلية واضحة حين ألْفَوا أنفسهم يستطيعون أن يقولوا (لا) حين يشاؤون ويقولون (نعم) حين يشاؤون.. وحين يستطيعون أن يضعوا الأسماء على مسمياتها، والنقاط على حروفها.. من غير تزويق أو تحريف أو تبديل.. وأخذوا يتطلعون بفارغ الصبر إلى ذلك اليوم الذي يكون لهم فيه حق الاختيار لمن سيكون خادمًا لقضاياهم وحاجاتهم...لا حاكمًا مستبدًا مذلاً لنفوسهم.. وإلى ذلك اليوم الذي لا يجدون فيه شبحًا مرعبًا يراقب حركاتِهم وسكناتِهم وأقلامَهم وهي تكتب ما تُستفتى فيه قبولاً أو رفضًا....
إن هؤلاء الشباب يحبون الحياة.. ولا يحبون القتل والموت.. فلا يمكن أن يرفضوا حياةً كريمةً تُعرَض عليهم... لكنهم جربوا تلك العروض مرة واثنتين.. وثلاثة... جرّبوا ذلك حين قيل لهم تظاهروا وهذا من حقكم وممنوع إطلاق النار عليكم.. فباؤوا بأرتال من الشهداء... جربوا ذلك حين قيل لهم لقد تم إلغاء قانون الطوارئ  ولكن لم يُنفّذ مقتضى هذا الإلغاء ولو ليوم واحد... بل باؤوا أيضًا بأرتال من الشهداء...جربوا ذلك حين قيل لهم سنحاوركم ونلبي ما تنشدون... ولكن نظروا فوجدوا أن حوار الكلمة كان من علٍ ومع غيرهم.. أما معهم فكان حوار الرصاص والقنابل وصوت هدير الدبابات وقصف المدافع...
نظر هؤلاء الشباب إلى المستقبل وتساءلوا في أنفسهم وفيما بينهم...تُرى بم سيصفهم الواصفون بعد ذلك... وبم سيتحدث عنهم التاريخ لو أنهم فكروا في ترك ما لذ وطاب إلى ما هو خيبة وسراب؟!
إن هؤلاء الشباب يحبون الحياة الحرة الكريمة لذلك يطلبونها حثيثًا... ويكرهون الموت.. موت النفس وموت الضمير وموت القيم الإنسانية.. وموت الرجولة والشهامة... وموت العزة والإباء... والموت المتجلي بالانبطاح تحت الأقدام... لذلك يفرون منه...
إنّ هؤلاء الشباب وبالرغم مما وجدوا وعانوا؛ إلا أنهم لم ينسوا وصايا أئمة الهدى لهم موسى وعيسى ومحمد وأصحابهم جميعًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.. فانطلقوا وهم يهتفون من أعماق قلوبهم لبيكم يا قادة الأمة... فلن نخون العهد... ولو قُتلنا... ولو قُلعت أظافر أطفالنا... ولو ديست أجسادنا ما دامت أرواحنا تحلق في سماء الحرية والكرامة...مضوا ولسان حالهم يقول:
مُضـيٌّ في طريق المجد حتى      ننالَ المجدَ أو نلقى المنونـا
مُضـيٌّ لا تَـراجُع عنه يومًا       ونأبى أنْ نـذلَّ وأنْ نهـونا
                     محمد جميل مصطفى

الأحد، 22 مايو 2011

حين يندس الشعب السوري في تراب الوطن الطاهر

نداء من الشعب السوري إلى الجيش


بسم الله الرحمن الرحيم
نداء من الشّعبِ السوري إلى الجيش
شعر/ابن آذار
عَصِـيّا كنتَ في وجْـهِ الأعَـادِي        مُهابًا حِيـْن تَـزْأرُ أو تُنَـادِيْ
شُجَـاعًا في المعَـارِكِ لاَ تُبَــالِيْ       بِـمَنْ يَلْقَاكَ مِنْ وحْشِ البَوَادِيْ
وفيّـًا للعُهُــوْدِ فَــلم تَخُنْهَــا         ولَـمْ تَغْدِرْ ولَـوْ غَدَرَ الأَعَادِيْ
صَـدُوقـًا في لِقَـائكَ يَـوْمَ كَـرٍّ         وظَهْرُكَ لا يُـرَى مِنْ كُلّ عَادِ
وتَعْـفُو إِنْ قَـدَرْتَ بِلا تَعَـــالٍ        وَلا تَعْـمَـدْ إلَى قَـهْـرِ الْعِبَادِ
وشِيْـمَتُـكَ الْـوفَـاءُ بِأيّ وَعْـدٍ         وتَـرْويْ مِنْ مَعِيْـنِكَ كلّ صَادِ
لِشَعْـبِكَ كنتَ مِطْـواعًـا وتُبـْدِيْ        لَـهُ حُـبّـًا وبِـرّا فِيْ ازْدِيَـادِ
وعيْـنُكَ دَائِـمًا تَـرْنُـوْ إلَـيْـهِ          تَخَـافُ عَلَيْهِ غَائِلَـةَ الْعَـوَادِيْ
إذا سِيْمَ الهَـوَانَ أثـرْتَ  نَــارًا         عَلَى مَنْ سامَـهُ جَمْـرَ اتّقـادِ
وإنْ أحَـدٌ أرادَ لَــهُ انْتِقَــَاصًا         دفَــنْتَ مُـرادَهُ تَحْتَ الرّمَـادِ
لَـقدْ أُسِّسْـتَ كي تَرعـى حُدودًا          لِسُـوْرِيّا الكَــرَامةِ والْجِهَـادِ
وتحْفـظُ أرْضَـهَا مِنْ كلّ لِـصٍّ          وتَصْرَخُ هَاتـِفًا: أفْـدِيْ بِلادِي
لقَـدْ أُسِّسْـتَ كي تلْقـَـى عَـدُوًّا        بـدَتْ آثـامُـهُ فِـي كل نَـادِ
وَعَـاثَ بأرْضِنـا شَرْقـًا وغَرْبـًا        وألْـقَـى جَمْـرَهُ فِـي كلّ وادِ
وَهَـوّدَ قُــدْسَـنا ومَضَى بخُبْثٍ         يُفَـرّق صَفَّنـا بَـعْدَ اتّـحَـادِ
 أطالَ الْمُكْـثَ في الْجُـوْلانِ حَتّى         يُظَـنَّ بِـأنّهَـا مِنْ عَهْدِ عَـادِ
فَتَغْدوَ مُلْكَهُ في شَـــرْع غَـابٍ         ويجْـعَلُ مَهْـدَهَـا خيرَ المِهَادِ
وجيلٌ إثْـرَ جيـلٍ مَـرّ يشــكُو         ويَسْألُ أهـلَـهُ عَنْ ذا الرّقَـادِ
فيُهْـمَسُ في مَسَامِعِـهِ أَلا اصْمُتْ         ولا تَـعْبَـثْ بأسْـرَارِ البِـلادِ
وَيَمْضِي واثِـقًا ويُـديْـرُ ظَـهْرًا         لكلِّ إشـاعَـةٍ ذاتِ امـتِـدادِ
إلَى أنْ جَــاءهُ يَـوْمٌ عَصِيــبٌ        رَأَى عَجَـبًا وأضْحَى فِي سُهَادِ
رَأَى الْجَيْشَ الذِي قـَدْ كان يـَرجُو        بِـهِ صـدّا لِهَجْمَاتِ الأعَـادِيْ
ويسمَـعُ صَرْخَـةَ الجُـولان تَشْكوْ        صُرُوْفـًا مِنْ عَذَابٍ وَاضْطِهَادِ
فيدْحَـرُ غـاصِبـًا،ويُعيْـدُ حقّـًا         ويُعْـلِيْ فَوْقَــهَا علَـمَ الرَّشَادِ
رَأَى عَجَـبًا فَشَـكَّ بنَـاظِـرَيْـهِ         وخَـابَ رَجَـاؤُهُ مِنْ كُلِّ هَـادِ
رَأى فيْـهِ انْكِـفَـاءً عَـنْ عَـدُوٍ         وَوَجَّـهَ سَهْـمَهُ صَوبَ الفُـؤَادِ
إلَى ((دَرْعَا)) جَحَافلُه تَنَـــادَتْ         هُنـا الأعْـدَاءُ، هَيَّا لِلـزِّنَــادِ
((مَلأنَ الأرْضَ أَسلَـحةً ثِقَـالاً))          إليهـا وجَّهـوا أقْـوى العَتـَادِ
أوامِـرُه قَضَتْ فِيْ قَطْـعِ نُـوْرٍ          وَمَــاءٍ ثُـــمّ أدْوَيَـةٍ وزَادِ
ورَشْقٍ بالرّصَــاصِ لكُـلِّ حيٍّ          وَحَــرْقٍ لِلنَّـبَــاتِ وللْجَمَادِ
رأى جِيْلُ الهَـوَانِ بِــأمِّ عَيْـنٍ          فَظَائِـعَ حَـولَهُ يَـومَ الطِّـرَادِ!
فَخَـرً ولَمْ يفِـقْ إلا وصَــوْتٌ          يُنَادِيْـهِ أَلا انْهَـضْ يا عِمَـادِيْ
أنَا الشّعْبُ الّذِيْ بِالصَّبْرِ أخْــفَى          مَطَالِبَـهُ زَمَـانًا، لا يُنـَـادِيْ
أنَا الشَّعْـبُ الذيْ أَخْفَـيْتُ جُرْحِي         لأجْلِ قضـيّتـي، ذاك اجْتِهَادِي
أُؤَمِّــلُ أنْ أرى جيشـًا كريْـمًا         يُـكِـنُّ لشعـبِـهِ آيَ الْــوِدادِ
أُؤَمّـلُ أنْ أَرَى جَـيْشـًا قَـويّـًا         لِتَحْــرِيرِ التِّـلالِ أوِ الْوِهَـادِ
صبَرْتُ وإنَّ بعضَ الصَبْــرِ ذلٌ          وما أحْبَبْتُ تَفْريْــقَ الأَيَـادِي
إلى أنْ هَالَني مَاْ هَـالَ قَــوْمِـيْ        فَثُـرْتُ عَلى أسَـاطِيْنِ الفَـسَادِ
ألا يا جَيـشَ سـُـوْرِيّـا تَوقّـفْ         فَنَحْنُ ذَوُوْكَ يَاْ أمَلَ الْبِـــلادِ
أنَا الشعْـبُ الذي قَـدْ كُنْتَ مِنّـيْ         لأجْـلِكَ عِشْتُ فِيْ مِحَـنٍ شِدَادِ
وَجُـلُّ بَنِيْكَ هُمْ فِلْـذَاتُ كِبْــدي         أُخـاطِبُـهمْ بِنَبْـضَـاتِ الفُؤَادِ
وأُخْتُـكَ أوْ أخُـوكَ قِـوَامُ أَمْـرِيْ        وهُـمْ سَنَدِيْ وَأَعْـوَانِيْ وَزَادِي
أنـا الشعْـبُ الذي رَبّـاكَ حَتَّـى         بَلَغْـتَ بِفَـضْـلِهَ أعْلَى الْعِمَادِ
أَيُعْـقَـلُ أنْ أسيْرَ بلا جَـــوَادٍ          وكنْـتُ أراك يا أمَلي جَوَادِي؟
أنا الشَّعْـبُ الذي أفنَيْـتُ عُمْـرِي         لِتَبْقَى عُـزْوَتِي وَبِـكً اعْتِدَادِي
أأُفْـنِي العُمْـرَ في غَـرْسٍ وزَرْعٍ         وأغْـدُو نَـادِمًا وَقْتَ الْحَصَادِ؟!
إذَا أطْلَقْتَ جُنْـدَكَ في رِحَــابِـي        لَبِسْتَ العَـارَ مَوْفُـوْرَ السّـوَادِ
وتَـغْرَقُ بعْـدَها في بَحْـرِ حُـزْنٍ       ويَبْقَى الجُرْحُ فِيْكَ بِلا ضِـمَـادِ
فَلا تَسْـمَـعْ لِمَـنْ يَبْـغِي اغْتِِيَالِي        وإذلالِـي، وقتْـلِيْ واصْطِيَادِيْ
ألا لا تسْمَعَـنّ لهُــمْ حَبيْبِــي          فَهُمْ رَهْـنُ التكَـبُّـرِ والْعِنـَادِ!
أحيّـيْ فيْـكَ شُبَّــانًا كِــرامًـا        لأجْـلي آثَـرُوا "بَـرْكَ الغِمادِ"
أبَـوْا تَـوجِـيْهَ أسْـلِحَةٍ لِصَـدْري        مَـخـافةَ ربِّهمْ "يَـوْمَ التَّنَادي"
وَنَصْــرِيْ قَـادمٌ فَغَـدًا تَــرَاهُ         وِنَفْرَحُ يَـوْمَ تَحْـقِيْـقِِ المُرَادِ
ونَنْـعَمُ كلّنـَا بِـرَغِيـْدِ عَيْـشٍ            فَكُنْ منّـا، بُنَـيَّ، على الحِيَادِ
الأحد في 27/جمادى الأولى/1432 الموافق 1/أيار/2011


        

      
              

الأربعاء، 18 مايو 2011

بل هم النّقاء والطّهر بذاته...


بسم الله الرحمن الرحيم
بل هم النقاء والطهر بذاته..
حين كنت أستمع إلى كلمة الأستاذ فاضل ليمان المنشورة بالصوت والصورة على موقع (يو تيوب) والتي خصصها للثورة السورية التي بدأت يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الآخر لعام ألف وأربعمائة واثنين وثلاثين للهجرة النبوية الموافق للخامس عشر من آذار لعام ألفين وأحد عشر للميلاد.. توقفت مليّا عند عبارة قالها وهي أن كلاً من الثورتين المصرية والتونسية قد قامتا بحبل من الله وحبل من الماس.. وانتصرتا، وكذلك الثورة الليبية تقوم الآن بحبل من الله وحبل من الناس.. أما الثورة السورية فهي قائمة بحبل من الله.. وهو الأقوى... أقول: وقفت مليًا عند هذه العبارة وللتو استحضرت أمرين اثنين:
الأول: ذلك الرتل من سادة الشهداء (نحسبهم كذلك) من خيرة شباب سوريا الذين كانوا وما زالوا عماد ووقود كل تظاهرة تحركت في المدن السورية على قلب رجل واحد وهم يقولون بملء أفواههم، وبكل ما أوتيت حناجرهم من شدة للصوت ونبرة عالية في الأداء .. يقولون للظلم والفساد: لا.. ويطالبون بحق أساسي لهم، ذاقوا مع آبائهم مرارة حرمانه... هذا الحق هو الحرية والكرامة.. بكل ما تدل عليه هاتان الكلمتان..
استحضرت إقدام وبسالة هؤلاء الشباب وتحرقهم وهم يهتفون للحرية... واستحضرت الفرح الذي يبرق في عيونهم وهي قبل الألسنة تنطق بعبارة (( ما في خوف.. ما في خوف)) فقلت: صدق والله الرجل، أعني الأستاذ فاضل... فما كان لهذه الصورة المشرقة لهؤلاء الأطهار أن تبدو هكذا لو لم يكونوا يستمدون فقط من حبل الله قوتهم وعزمهم وثباتهم، وأن ازدياد عدد الشهداء منهم لا يزيدهم إلا مضيًا فيما هم عازمون عليه، وإصرارًا على مواجهة القمع والصعوبات حتى يصلوا إلى الهدف.. لأنهم ذاقوا حلاوة ذلك الهدف منذ أول شهيد حين قال وهو يستعد للقاء ربه: "الحمد لله لقد ذقت طعم الحرية أربعة أيام وهذا يكفي..."
الثاني: استحضرت ما تناقلته بعض الفضائيات عن الخبر الذي نشرته جريدة واشنطن بوست من أن قناة للمعارضة السورية قد تلقت أموالاً من الولايات المتحدة الأمريكية دعمًا لها... وأترك الدكتور محمد النواوي الأستاذ في جامعة كوينز في أمريكا يعلق على هذا الخبر حين سُئل من قبل إحدى القنوات، وفحوى التعليق:" أنا لا أفهم من إطلاق هذا الخبر الآن إلا أنه دعم من الولايات المتحدة للسلطة في سوريا، وتلويث لسمعة الثورة ولاسيما أن السلطة ما فتئت تروج لمؤامرة خارجية تقف وراء الاحتجاجات الشعبية.. ثم قال: يبدو أن لأمريكا سياستين، إحداهما معلنة والأخرى مخفية.. وبغض النظر عن أي شيء فلا يمكن إلا أن نقول: إن هؤلاء الشباب المطالبين بحقوقهم هم غير معنيين بكل هذا وهم مبرؤون من كل ما يُراد أن يلصق بهم. إنهم شباب يطالبون بحقوقهم فقط ...([1] )  
أقول استحضرت هذا أيضًا؛ لأشير إلى أن كل عمل نقي ونظيف سيتعرض في الغالب لابتلاءات وهذه سنة الله ... وهذا يؤكد على نقاء ذلك العمل وطهره .. أما مثل هذه الإثارات فما أحسب أنها يُلتفت إليها من قبل من كانوا يستمدون قوتهم من حبل الله.....
فهؤلاء الشباب أنقياء أصفياء كنقاء الثلج وهو مازال في الفضاء قبل أن تصل إليه شوائب الأرض.. وأطهار طهر ماء المطر الذي حين يصل إلى الأرض يجعلها تهتز وتربو وينمي كل خير فيها... وكذلك حركتهم فهي في نمو تقدم الخير لكل شعب سوريا بجميع مكوناته..حتى للسلطة ذاتها حين تعلم أن مناصرة الظالم تكون في ردعه عن ظلمه...وستكون خيرًا، بعون الله، للعالم كذلك؛..ولن يرجع من يريد سوءًا بالذين اتخذوا من حبل الله عونًا لهم إلا بالخيبة والحسرة...ويصدق فيهم قول الشاعر:
كناطح صخرة يوما ليوهنها       فما وهاها وأوهى قرنه الوعل
محمد جميل مصطفى
الأربعاء 16/جمادى الأولى/ 1432 الموافق لـ 20/4/2011




([1]) كان ذلك مع قناة الجزيرة يوم الثلاثاء 19/4/2011 صباحًا. وقد أثارت كذلك قناة الحرة الموضوع ذاته في وقت آخر.

لأنت عزاؤنا في كل كربٍ


بسم الله الرحمن الرحيم
شِعر/ابن آذار

في تعزية الأستاذ/هيثم المالح
لأنت عزاؤنا في كلّ كربٍ
عَلَى مَهْلٍ أطِلِّي يَاْ خُطُـوْبُ        نَزَلْتِ عَلى أَشَـمٍّ لا يَـذُوْبُ
نَـزَلْتِ بسَاحِهِ والّليْلُ سَـاجٍ        وَعِنْدَ الْخَطْبِ تَرْتَعِشُ القُلُوْبُ
سِوَى قلْـبٍ تمَرّس لِلّرزَايـا        ولَوْ رِيْحُ السَّمُوْمِ لَهَا هُبُـوْبُ
يُنَـازِلُهَا فَتَرْكَـعُ فِيْ خُشُوْعٍ        وَيَأمُـرُهَـا فَيَسْمَعُهَا، تُجِيْبُ
وكَمْ مَرّتْ عَلَيْــهِ مِنَ الَليَالِي       تَبَارِيحٌ يَحَـارُ بـِهَا الأرِيْبُ
تلـَقَّـاهَا بيُمنَـاهُ فَصَـارَتْ       بِشَـارَاتٍ وَكَانَ لَهَا طُيُـوْبُ
وكَمْ حَلّتْ بِـهِ نـُوَبٌ فَخَاْبَتْ       ومَنْ يَرْجُـوْهُ أمْرًا لا يَخِيْبُ
فلمْ يَعْبَأ بِسِجْنٍ وَهْـوَ شَيْـخٌ        وفِيْهِ الطّفْلُ مِنْ هَوْلٍ يَشِيْبُ
بِسَـاحَاتِ الْقَضَاءِ لَهُ حُضُـورٌ     إلَيْهِ الْحَـقّ يأْرزُ أوْ يَـؤُوْبُ
ويَصْـدَعُ بالْحَقيقَـةِ لا يُبَالِيْ        فَيَسْمَـعُهُ البَعيْدُ أو الْقَـرِيْبُ
ألا يَا هيثَـمًا قَـدْ كُنْتَ حَقّـًا       كَطَـوْدٍ لا تُزَعْزِعُهُ الْكُرُوْبُ
وبَيْنَا أنْتَ مَـاضٍ فِي جِهَـادٍ       إِلَى الْعَلْيَا تُشَـقُّ لَكَ الدّروبُ
وَتَسْمَعُ هَا هُنَا وهُنَـاكَ نَعْـيًا       لِفِتْيَـاْنٍ وغُصـنُهمُ رَطيـبُ
أتَى نَعْــيُ الأَحبّـةِ مِنْ بَعِيْدٍ      مَضَتْ لِلَّـهِ زَوْجُكَ يَا حَبِيْبُ
إلى الرّحْمَنِ صَارَتْ فِي رِحَابٍ     يُسَرّ برَوضِهـا الْعَبْدُ الْمُنيبُ
قَضَتْ مِنْ بَعْدِِ آلامٍ عِظَــامٍ       تُشَارِكُكَ الْعَنَـاءَ ولا تَغيْـبُ
تُشاركُكَ الْهُمُــوْمَ عَلَى بِلادٍ       يجُـوْلُ بِسَاحِها أمرٌ غَرِيْبُ
مَضَتْ والقلْبُ مِنْها مُطمِـئنٌ        فأنْتّ، بعُرْفِها، لَيْثٌ غَضُوْبُ
تلَقَّيْـتَ الرّزيّـةَ فـِيْ أَنَـاةٍ        فَلَمْ تَجْزعْ،ولَم يعْـلُ النّحِيْبُ
وَغَيْرُكَ كانَ يَلْقَاهَا هَلُـوعـًا       تُشقّ لَـهَا المآزِرُ والجُيوْبُ
لأنتَ عَـزَاؤُنَا فِيْ كُلّ كَرْبٍ        وَأَنْتَ لَنَا الْمُعَـزّي والطَّبِيْبُ
الإثنين،6/جمادى الآخرة/ 1432 والموافق لـ 09 أيار، 2011

الثلاثاء، 17 مايو 2011

نعم الشاهد ونعمت الشهادة


بسم الله الرحمن الرحيم
نعْمَ الشاهدُ ونعمتِ الشَّهادةُ
إن بعضًا مما يتردد على ألسنة أولئك النفر الذين رضوا أن يُجادلوا عن السلطة السورية، ويبرروا لها ما تقوم به، وينالون غمزًا ولمزًا من المتظاهرين المطالبين بالحرية والكرامة.. .. إن ممّا يتردد على ألسنتهم: إن عدد سكان سوريا ثلاثة وعشرون مليون نسمة.. وهؤلاء المتظاهرون لا يعدون في مختلف المحافظات عشرة آلاف كحـدٍ أقصـى – حسب تعبيرهم - ، وبالتالي فهم لا يشكلون سوى نسبة ضئيلةٍ جدًا..من الشعب السوري، قال ذلك عديدون.. منهم المسمي نفسه محمد الآغا والذي يقول أنه صحفي.. ومنهم الأستاذ الجامعي بسام أبو عبد الله... وغيرهم... ولا أريد من المقال أن يكون ردًا على هؤلاء من الناحية العلمية وأن الحالة ليست كما هم يتصورون، ولا يُنظر إلها رقميًا كما يتوهمون.. فعلى سبيل المثال إن عدد سكان مصر 85مليون نسمة.. ولم يخرج من أهلها متظاهرين في أعلى تقدير.. سوى مليونين تقريبًا.. واستطاعت أن تُسقط النظام وتحقق للثورة نصرها المبهر... إلا أنني سأترك الرد لأصحاب العقل المستنير، والرأي السديد... وقبل هذا وذاك لمن عندهم وعي وفهم من نوع خاص لا يمن الله بهما على الذين لا يستحقونهما...
سألتْ قناة الجزيرة الأستاذ المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان نجاتي طيارة، وهو من حمص، قائلةً: إن المتحدث السابق (وكان الدكتور بسام أبو عبد الله) قال: إن عدد المتظاهرين لا يشكلون إلا نسبة قليلة جدًا وهؤلاء لا تأثير لحراكهم قياسًا إلى العدد الإجمالي لسكان سوريا فما قولك؟ فأجاب الأستاذ نجاتي: في ظل هذا القمع الشديد، والإرهاب.. والقتل.. إن الواحد من هؤلاء الذين يخرجون بالمظاهرات يعادل عشرة آلاف... إن الذين يخرجون في دول أخرى يخرجون وميزات عديدة تحف بهم من الأمن والأمان والسلامة وفتح الطريق أمامهم وتمهيده لهم..... أفيقاس متظاهرو سوريا بمتظاهري تلك الدول... لا.. وألف لا... ومن هنا نستطيع أن نقدر كم يعادل المتظاهرون في سوريا... وسألت قناة ((المشرق – أورينت)) محاميًا آخر اسمه محمود فكان جوابه: إن الواحد من هؤلاء المتظاهرين في رأيي يعدل مئة ألف...
إنها شهادة حق صدرت من رجلين نوّر الله قلبيهما بنور المعرفة واليقين... ففي ثقافتهما التي نشؤوا عليها... وتأصلت في نفوسهم قول الله تعالى ((إن إبراهيم كان أمة)) ، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن القعقاع ((لصوت القعقاع في الجيش خيرٌ من ألف رجل)) وكذلك جعل الله المؤمن، حتى في أضعف الحالات، يعدل رجلين من الأعداء... وحين تغيب هذه الثقافة عن العقل الإنساني... وينشأ في تربية تكون المصلحة المادية الدنيوية العنوان الرئيسي لها... وتُقصى المبادئ عنها تمامًا حين يكون ذلك  يطفو على السطح أمثال تلك المقولات التي لا توزن حتى بالورق الذي تكتب عليه، ولا بالحبر الذي يُستهلك في تدوينها...
والذي أردت أن أوصله من هذا المقال... أن يطمئن من يعيشون الثورة لحظة بلحظة... وتكون هي همّهم الشاغل الذي ينامون عليه ويصحون عليه.. أجل عليهم أن يطمئنوا ما دام في هذا الشعب نماذج من نوعية الذين يخرجون في المتظاهرين، وهم يعلمون يقينًا أنه ربما لن يعودوا إلى أهليهم.. ولذلك فكثير منهم يودّع أهله، ويخرج طالبًا من أبويه الدعاء له... وأقول ما دام في الأمّهات السوريات من تحث ابنها الوحيد على الخروج في المظاهرة بمجرد سماعها أن مظاهرة ستخرج..وما دام في الأباء السوريين من يهدد أبناءه بالعقاب والغضب عليهم إن لم يخرجوا، وهذا ما رواه لي رجل ثقة وصادق...  أقول ما دام يوجد أمثال هؤلاء فليطمئن كل محب للحرية وعاشق للكرامة أنه سينالهما .. وإن هي إلا فترة تمحيص وابتلاء ثم يأتي نصر الله بإذنه تعالى... ولنحسن الظن بالله، فحاشاه أن يتر هؤلاء أعمالهم... والواقع يشهد بذلك ... فكلنا يرى كيف أنه بمرور الأيام يشتد ساعد هذه الثورة... وتقترب أكثر فأكثر من هدفها...إنه الإيمان الذي يُحول الضعف إلى قوة، والوهن إلى عزيمة، والجزع إلى صبر، واليأس إلى أمل... وصدق الله سبحانه وتعالى (( وكم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرة بإذن الله...)). ولله در ذلك الشاعر الذي قال:
     تُعَيّرُنَا أنَّا قـليلٌ عديــدُنَـا        فقلتُ لها إن الكرامَ قلـيلُ
     وما قلَّ مَنْ كانت بقاياه مثلَنا       شبابٌ تسامى للعُلا وكهولُ
 وما ضرَّنا أنّا قليلٌ وجارُنـا       عزيزٌ وجـارُ الأكثرينَ ذَليْلُ
أجل والله؛ إن هؤلاء المتظاهرين هم الكرام...وهم المتسامون إلى العلا... وهم الذين يعز جارهم بهم... فأنى للأقزام أن يصلوا إلى أقدامهم.
الأحد 5/جمادى الآخرة/ 1432 الموافق لـ 8/أيار/2011
محمد جميل مصطفى.
 
     

ما كنّا نظن....


بسم الله الرحمن الرحيم
ما كنا نظن....
اتصلت قناة المشرق ((أورينت)) يوم الثلاثاء 26/4/2011 بالكاتب والصحفي حسين عويدات، وسألته عما يجري في درعا...من دخول للدبابات والمدرعات، وقصف على الأحياء ولاسيما أحياء ما يُطلق عليه الأهالي (درعا البلد)... فقال: الحقيقة ما كنا نظن أو نتوقع أن يُلجأ إلى كل هذا... ربما كان المتوقع دخول أفراد من الجيش ببنادقهم أو رشاشاتهم العادية...أما أن يكون الأمر بهذه الصورة المذهلة.. فشيء مثير للدهشة... والمقولة نفسها قيلت منذ ما يُقارب ثلاثين سنة حين تم اقتحام مدينة حماة ومدن أخرى... وجرى ما جرى فيها من أمور تقشعر لها الأبدان... وتقف العقول حائرة أمام هكذا نوع من تعامل سلطة مسؤولة مع شعبٍ برمته.. عندئذٍ قال كثيرون: ما كنا نتوقع ذلك!!
وفي الحقيقة سواء كانت مقولة الأستاذ حسين عويدات أو مقولة السابقين له زمنيًا؛ فصدور هذا القول أمر بديهي، بل ويجري على لسان كل امرئ تعود أن يتعامل مع الأمور بمنطق سليم، وبمقياس مناسب لما ألف حوله من أحداث... ولكن الذي نغفل عنه حين نطلق مثل هذه المقولات.. ونتساءل عن سر هذا التعامل الفريد والمميز من قبل سلطة مع شعب قُدر له أن يقع تحت هيمنة تلك السلطة.. الذي نغفل عنه هو أننا لم نسأل أنفسنا مرة عن الطبيعة النفسية والتركيبة الانتقائية والخلفية التاريخية والثقافية لتلك السلطة... والتي قد يردفها في ذلك شريحة قليلة جدًا ممن يُظن أنهم ذوو انتماء للمجتمع، ولكنهم في حقيقة الأمر جزء من السلطة بثوب مجتمعي...ولكون المجتمع السوري بأطيافه كلها ذا طبيعة تسامحية وبريئة فإنه أخذ يتقبل تلك الشريحة كجزءٍ منه، وهو يغض النظر عما يفلت منها من إشارات ترمز إلى طبيعتها.. ولكنه تفاجأ أن هذه الإشارات تحولت في زمن المحنة إلى ظاهرة ذات وجود فعلي، وما جرى مع أهل بانياس أو جبلة وغيرهما إلا دليل جلي على ذلك..
وتُعد معرفة العدو أو الخصم من أوائل مؤشرات النجاح والتغلب عليه في أي معركة معه... وبالمقابل إن ((الجهل بالآخر أو حسن الظن في غير مكانه)) يؤدي إلى العكس تمامًا..وما أظن أن الأستاذ حسين قد أبدى اندهاشه مما يحصل بسبب جهله بالطبيعة التي نتحدث عنها...ولكنه أراد بسؤاله ذلك أن يُسلط أنظار الناس ومستمعيه إلى حقيقة غائبة حاضرة، وتذكيرهم بالطبيعة التكوينية للسلطة التي اتخذت القرارات بشأن حماة سابقًا أو درعا أو غيرهما.... وهذا ما نرجحه، فليس الأستاذ حسين هو الذي يغيب عنه ذلك... والأمر أصبح من الوضوح بحيث لا يختلف فيه اثنان... فالطبيعة التكوينية للسلطة الفاعلة هي التي تجيب عن تلك التساؤلات... تلك الطبيعة المتأثرة بامتداد تاريخي إلى قرون عديدة... تمامًا كما يُطلق آخرون، وهم من الطبيعة ذاتها، شعارات الثأر وبقوة، لقضية انتهت تاريخيًا ومضى فاعلوها.. والعجيب أن المطلوبين للثأر منهم؛ هم أنفسهم ينظرون إلى ما جرى بإنكار شديد...ولكن يُراد منهم أن يدفعوا وبصورة مضاعفة ثمنًا لأخطاء لم يرتكبوها، والطبيعة التي نشير إليها تتجذر حين يكون المنطلق لدى أصحابها هو الماضي بآلامه وأخطائه...وهذه الطبيعة – مع الأسف - يتم توارث مقوماتها جيلاً في إثر جيل.... ومن الضروري التأكيد أنه ما من طائفة من طوائف المجتمع السوري مسؤولة عن وجود تلك الطبيعة... فالتعايش الجيد فيما بينها على مر السنين، بل القرون، يدل على نشازية وجود تلك الطبيعة وعلى رفضها جملة وتفصيلاً من جميع السوريين باستثناء الذين ابتلوا بهذا المرض، ونرجو لهم الشفاء منه.
والسؤال الآن ...ترى هل من سبيل إلى تجاوز هذا كله، ومحوه من الطبيعة  الخاصة لدى هؤلاء الناس ؟ ربما يكون ذلك ممكنًا.. بل هو ممكن ولكن حين تتحقق الإرادة التحررية من ((إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون)) ولن تتحقق هذه الإرادة عند من يقف عائقًا في طريق من يطالب بنيل الحرية البناءة التي تنهض بالمجتمع إلى أرقى درجات السمو في التفكير، والسمو في التعايش، والسمو في إنجاز المهمات الحاسمة لصالح الوطن... وحتى نصل إلى ذلك فلا نحسب أن الطريق سهل .. فهو شائك، وبالتأكيد سيدفع المجتمع الكثير من أبنائه ثمنًا لتلك الحرية، كما يحصل الآن، فما يحصل الآن ليس سوى خطوات في الطريق الوحيد للوصول إلى ذلك الهدف النبيل، وأي حيود أو تراجع عنه سيؤدي إلى مجهول قاتم، نسأل الله أن يجنب سوريا كلها الانتهاء إليه.
((ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا))
محمد جميل مصطفى