سمع الله شكواك يا أم أحمد...
بينما كنت أشاهد عرضًا لصورة الشهيد أحمد الضحيك، من حمص، الذي قتلته يد الغدر؛ متلبسًا باستخدام جواله لتصوير مظاهرة... سمعتُ من بين الأصوات صوتَ امرأة من قلب مكلوم، وبنفَس محموم... سمعتُها تقول موجهة كلامها إلى قاتلي ابنها (( الله يصطفل([1] ) فيك... الله يصطفل فيكم.. )).. كان صوتها يخترق كل حجاب.. ويُدمي كل قلب.. ويُبكي كل عين... منا نحن البشر... عندئذٍ تذكّرت رحمة الله وعظمته، وعدله، واستجابته لمن دعاه.. ونصرته لمظلوم توجه إليه .. وتذكرت خويلة بنت ثعلبة، وقد جاءت تشكو زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أمرٍ ضايقها... ولم تلبث إلا أن شرفها الله تعالى بذكرها، والإشارة إلى شكواها، بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة ويُتَعَبد بتلاوته... ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)) وأنزل ما يطيب خاطرها ويحل مشكلتها...
وها أنت يا أم أحمد، تجأرين إلى الله بشكواك على أولئك الذين حرموك من فلذة كبدك، وثمرة فؤادك... حرموك من بره وحبه... حرموك من نظرة حانية إليه، وهو يخطر أمامك في المنزل.. وهو يودعكً مغادرًا البيت، أو مسلمًا ومحييًا حين يعود إليه... كنتِ ترين بهذه النظرة أن نعيم الدنيا كلَّه لا يعدلها فيما تجلب إليك من سعادة تغمر قلبك.. ونشوة تسري في عروقك...فاطمئني يا أم الشهيد... ولتطمئنَّ أمُّ كل شهيد مثلك أن الله يسمع شكواكن جميعًا..يسمع وجيب قلوبكن ... يسمع خلجات صدوركن.. يسمع الآهات والزفرات وهي تنطلق منكن مع كل شهيق وزفير...ويشارككن الملأ الأعلى بالدعاء إلى السميع المجيب في شأنكن..وما عليكن إلا قليلاً من الصبر لِترَيْن تلك الاستجابةَ واقعًا ملموسًا أمامكن... تعيشونه مع كل من يحس بمعاناتكن...نعم سيقر الله عيونكن؛ فترون الطاغوت وأزلامه في حالة يتمنون فيها الموت ولا يجدونه... عندئذٍ سينتابكن إحساس غريب...إحساس بسعادة من نوع خاص... مبعثه أرواح الشهداء وهي ترفرف فوقكن... وهي تشهد معكن نهاية الطاغوت، وسقوط أركانه...إحساس تكشفه عيونكن البراقة بالأمل، والشكر لله... ووجوهكن المشرقة.. وألسنتكن التي ما فتئت منذ ارتقاء أبنائكن إلى الرفيق الأعلى تدعو، وتشكو، وتسأل، وتحمد، وتشكر... هذه المظاهر المضيئة والمعبرة يراها عليكن الكبير والصغير.. المرأة والرجل... ولا يسع أي رائيةٍ لكن من غيركن إلا أن تهمس وتقول: ليتني أمًا لشهيد .. فأي تكريم أكبر من هذا وأنتن ما زلتن في الدنيا... فكيف بكن وأنتن هناك... في دار البقاء... دار العدل... دار الجزاء... دار نعيم أهل البلاء...في ظل عرش الرحمن....فقليل من الصبر يا أخَيات...وكثير من الدعاء إلى رب الأرض والسموات..
أمّ الشهيد تصبري فغدًا تُقرّ الأعـينُ
وترين قاتله يُـدا س بأرْجلٍ أو يلْعنُ
يُومَى إليك تعجّبًا وتنال ذكركِ ألسنُ
هذي عميدة حينـا بقلوبنـا هي تسكنُ
الثلاثاء 28/جمادى الآخرة/1432 الموافق لـ 31/أيار/2011
محمد جميل مصطفى
