الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

ليس غريبًا هذا الطرح.. ولكن...


بسم الله الرحمن الرحيم
ليس غريبًا هذا الطرح... ولكن....
ثمة سؤال سرعان ما يتبادر إلى ذهن المرء، وهو يسمع عن طرحٍ من بعض الأحبة يتحدث فيه عن انتهاء مرحلة من الثورة السورية، عمرها ستة أشهر، وبدء مرحلة جديدة، انتهاء مرحلة (سلمية الثورة) وبدء (مرحلة الثورة المسلحة) ... والسؤال هو: لماذا هذا الطرح؟
إن الناس يعمدون إلى تغيير واقع لهم (أنى كان) حين يتأكدون من أن هذا الواقع لم يَبْق مجديًا، وأن ضرره أكثر من نفعه، وأن البديل الذي سيُحلونه مكان الواقع الأول هو أكثر نفعًا، وأقل ضررًا، ويُقربهم أكثر من الهدف الذي يصبون إليه من خلال ذاك الواقع...
وإذا أردنا أن نعتمد هذه القاعدة في حال الثورة السورية المباركة فلا بد من المرور على الآتي:
أولاً: إن احتمال قيام هذه الثورة ضعيف جدًا ، إن لم يكن مستحيلاً، بناء على الوضع في سوريا الذي يتميز بوجود حكم شمولي، من نوع خاص، جثم على صدور العباد لأكثر من أربعة عقود من الزمن، وهو يمنهج من خلالها لإرهاب فكري ومادي واقتصادي وثقافي وأمني ، ويُجري بذلك عملية غسل للأدمغة إلا من شيء واحد.. وهو أن النظام الحاكم (بشخوصه) وحده الذي فيه خير سوريا، وفيه حمايتها وحفظها وعزتها وكرامتها... وحاولت عملية (الغسل) تلك أن تمسح من الذاكرة حقائق كثيرة  عن مسؤولية النظام عن أرض مسلوبة!، واقتصاد متدهور، وفساد اجتماعي ومالي وإداري، ساد البلاد من أقصاها إلى أقصاها...وتكريس للطائفية النفعية.. وبالتالي فأي همسة، مهما كانت خافتة، توجه بالنقد إلى النظام فإن أقل ما ينتظر صاحبها مصير مجهول ومشؤوم.. وبائس..
في خضم هذا الواقع ولدت الثورة، والناس حيالها بين مذهول ومكذب ومحتار.. أما الرابع فهو مصدق لها، وواثق برجالها، بعد أن أرجعها إلى أنها ربانية،  أراد الله سبحانه وتعالى أن تولد ليبطل ذلك التألي على الله بأن الحالة في سوريا تختلف عما هي في سواها، وأنه يستحيل قيام ثورة فيها كما حصل في تونس ومصر...
ثانيًا: انطلقت الثورة، وكانت من أول يوم واضحةَ السِّمة، وواضحةَ الهدف، وواضحةَ الوسائل، فسِمَتها سلمية، وهدفها القضاء على الفساد بصوره وأشكاله كافة؛ هذا القضاء الذي عُبر عن آليته بتغيير جذري للنظام، أما وسائلها فتتجلى في الجهر الجمعي بكلمة الحق، والتظاهرات السلمية بصور عديدة، لا تخرج عن السمت العام للثورة...
ثالثًا: إذا علمنا بأن السواد الأعظم ممن يراقبون الحالة في سوريا قبل الثورة ولحظة انطلاقها وبعدها، ( سوريين كانوا أم غير ذلك).. إذا علمنا بأنهم ممن يقول عنها إنها ربانية، يسر الله قيامها في جو من اليأس والقنوط، تنفيذًا لمشيئة الله في زمان ومكان محددين..كما أُشير إلى ذلك أعلاه، فإنه ما من أحد يُجادل في أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد نفاذ أمر هيأ أسبابه... وهذا ما حصل بالفعل على أيدي أطفال درعا الميامين، وبعناد الجلاوزة الذين كانت ردود أفعالهم وقودًا يُذكي الثورة ويزيدُها التهابًا وضرامًا...وانطلقت بسلمية نقيةٍ... وكتب الله لها النمو المتسارع وأظهر من الآيات البينات ما يدل على صحة المسار... وأحسب، والله أعلم، أنّه لو كانت السلمية غير مناسبة لَمَا ألهم الله شبابها الأخذَ بها؛ لأنه سبحانه، وهو الرحيم الغفور، ومن غير تألٍّ عليه، يريد الأصلح لعباده في أي أمر ويهديهم إليه (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) ولمَا كتب الله لها أن تستمر، وتظهر دلائل نجاحها في زمن قياسي...
رابعًا: لننظر ماذا كان من ثمار سلمية الثورة؟ في الحقيقة كان منها خير عظيم، وعلى الأصعدة كافة:
(1)     تعميم التخلص من الخوف غير العادي، والمعشش في نفوس الناس منذ عقود... ولو بدأت مسلحة لرأينا أن هذا الخوف يُنزع، فقط، من نفوس قلة قليلة؛ هي تلك التي تحمل السلاح.. أما الباقون فيبقون على ما هم عليه... لكن التلاحم المادي واللفظي والروحي، الذي يتحقق في المظاهرة السلمية، يحقق ما لا تحققه مجموعة من مسلحين انعزلوا في كهف، أو قبو بناية، أو أي مكان آخر... فهذا التلاحم يحوّل الآلاف المنطلقة في تظاهرة سلمية إلى كيان واحد، يصبو إلى هدف واحد، وينطق بلسان واحد، ويحس بإحساس واحد ، وتذوب في هذا التلاحم جميع أشكال الفرقة والتمايز التي لا يخلو مجتمع منها في الأحوال العادية.
(2)   التزود بقيم أصيلة؛ كالإيثار، والتنافس، والكرم، والشجاعة، فتنقلب المظاهرة السلمية إلى مدرسة في الأخلاق، ومعهد للتدريب على الانضباط، والطاعة، ومستشفى ميداني للإسعاف، ومصلّى يحس به المصلون بالخشوع والعبودية لله وحده..يستمدون منه العون فيما هم مجتمعون لأجله..ومدرسة يتعلم فيها المتظاهرون كل كلمة طيبة، وشعار سام، وسلوك نظيف... ولا يخدش هذا ما قد يصدر عن بعض المتظاهرين من كلمات غير محبذة، دافعها رد فعل على ظلم مفرط مورس على الناس في تلك الحقبة المظلمة السابقة للثورة..
(3)     الاتصال الإيجابي مع المجتمع المحلي... والمجتمعات الإقليمية والدولية... فتصبح هذه المجتمعات على دراية تامة بهدف الثورة الشعبية، وبوسائلها، وأدواتها، من غير أن يُتاحَ لِمُغرض تشويهها، ودس السم في الدسم في أدبياتها.. فالمظاهرة السلمية، وبحشدها الجماهيري، تؤمِّن للناس التعرفَ المباشر على الثورة، وبلا واسطة، أو كما يُقال في المثل الشامي ((قطف المعلومة من فم الماعون))، وعلاوة على كون هذا الاتصال يؤمّن المعلومة الصحيحة للمجتمعات التي لا تغمض أعينها ولو للحظة عن وقائع الثورة، ولا تغلق أذنيها عن أي خبر عنها... فإن هذا الاتصال المباشر، عبر وسائل الإعلام، يؤمن التعاطف الكبير مع الثورة.. وكسب ود تلك المجتمعات ونصرتها، كل حسب إمكاناته وطاقاته.
(4)     الخسائر في الأرواح والممتلكات في الثورة السلمية تكون أقل بكثير من تلك التي ستقع في حال (الثورة المسلحة) كما أنه في الحالة الثانية تكون الخسائر شاملة للتعاطف المشار إليه أنفًا.
(5)     بالنسبة للثورات التي تحصل في البلدان الإسلامية (ومنها سوريا) يكون من الخطأ الجسيم التحدث عن الثورة بمعزل عن توفر رأي (واحد على الأقل) يكسب مجرياتها غطاء شرعيًا، ومن الخطأ أيضًا الإدلاء بأي شأن من شؤونها من غير الاستئناس بحالات كانت في تاريخ المسلمين لا تخلو من أوجه شبه بينها وبين الثورة... ولو عدنا إلى الهدف الوحيد من الثورة السورية لوجدناه متمثلاً في تغيير شامل لنظام تربع الفساد بصوره المتعددة (العقدي والاجتماعي والمالي والإداري و..) على بساط سدنته.. وحين جاء النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الواقع الفاسد، في مكة، سلك مع صحابته أسلوب التغيير السلمي، بعيدًا عن أي مظهر مسلح.. حتى إنه كان يردّ على من يأتيه طالبًا استعمال السلاح والقتال لدفع الظلم والقهر والقتل الممارس من قبل طواغيت قريش على أتباعه صلى الله عليه وسلم، دعاة التغيير السلمي في هذه المرحلة،  كان يرد عليهم "لم أؤْمر بعد" ولم يؤُذن لي بعد... بل استمِرُّوا على ما أنتم عليه من صلاة، وقول حسن، وصبر، ومصابرة... وكان يصف الذين يلحّون عليه بأن يأذن لهم بالقتال وطلب النصرة، بالاستعجال...
(6)      ثم إن أمرًا يحسن تذكير الأحبة به وهو ما ورد في حديث حسنه الترمذي من أنه يأتي وقت على المسلمين ينتصرون فيه على أعدائهم، وسلاحهم يومئذِ ليس (كلاشينكوف) ولا (آر.بي.جي) ولا(بي.تي.إر) وإنما التكبير والتسبيح والتهليل، وهم في حرب مع عدو متحيز في أرض مستقلة له، وهم في أرض مستقلة لهم.. واستخدام السلاح هنا ليس مثل حالة كون المتقاتلين مختلطين في السكن وفي قضاء المصالح... وغير ذلك... أفلا يجدر بالثوار اليوم أن يتوقفوا كثيرًا أمام هذه الطريقة... ويرفعوا أصواتهم بالتكبير(التكبير هنا هو رمز لكل إجلال لحق وخير، وتحقير لكل باطل وشر) للانتصار على عدوهم، فقد جاءت روايات كثيرة عن أخبار الثورة بأن كثيرين من أزلام السلطة كالشبيحة وغيرهم كانوا يهربون من أصوات الجماهير الثائرة وهي تهتف ((الله أكبر))...
(7)    من المعلوم أن الانتقال إلى ((ثورة مسلحة)) يترتب عليه أمور كثيرة ومُكلفة، والناس معرّضون فيها إلى خسائر فادِحة ، وأن على أصحابِ الشأن أن يتوقفوا مليًا عند هذا الانتقال، قبل الشروع فيه...والسؤال هنا: هل تم الإعداد بأقصى الاستطاعة؟ والإعداد يشمل أوجهًا كثيرة (الإعداد النفسي، والإعداد المادي من توفير عناصر القوة كالسلاح وغيره، والإعداد الاجتماعي؛ لأن المواجهة المسلحة تنعكس بآثارها على المجتمع بمختلف مكوناته؛ كالشيوخ، والنساء، والأطفال، والتجار، والحرفيين، والمهنيين.. وما أحسب أن آثار مواجهة تمّتْ في الماضي القريب، بخافية عن أحد...وغير ذلك من صور الإعداد).
(8)     ثم يأتي موضوع النّصرة الخارجية التي يُعوَّل عليها... فهل هي مضمونة يا ترى؟ وهل نتائجها مقبولة... فالرسول صلى الله عليه وسلّم لم يقبل من قومٍ أن يكونوا أتباعًا له، ومؤيدين ومناصرين لقضيته بعد أن اشترطوا أن يكون الأمر إليهم من بعده! وإنما قال لهم: الأمر لله يضعه حيث يشاء... فهل أولئك الذين يُعَوّل عليهم فيما يُطلق عليه ((الدعم الدولي)) أو ((الحماية الدولية)) يفعلون فعلهم مجردًا عن مثل ذلك الشرط ولو بنسبة ما؟ هذا إن فعلوه!!
بقي أمر لابد من الإشارة إليه؛ وهو وجوب تفهم دوافع الأحبة الذين يطرحون فكرة الانتقال بالثورة من مرحلتها السلمية إلى مرحلة عسكرتها... وهي دوافع ذات شأن.. فمن منا لا يتقطع قلبه، ويعتصر فؤاده ألمًا وحزنًا على ذلك الشباب النضر وهو يُخطف من بيننا بأبشع أنواع الخطف والقتل والتمثيل.. ومن منا لا يُفكر في كيفية إيقاف هذه الوحشية التي تُمارس على شباب سوريا الطاهر... ولكن الأمور لا تؤخذ بعجالة، وإنما يجب، وبإلحاح، على علماء الأمة من ذوي الاختصاصات المتعلقة بالموضوع، وممن لديهم خبرة وتجربة عملية، أو على الأقل؛ ممن اطلعوا بإسهاب وبدقة على تجارب الشعوب في هذا المجال، وممن درسوا بإسهاب ما كتبه العلماء والمتكلمون بشأن الثورات ..على هؤلاء أن يبتوا في الأمر على مكث وتريث... فالخطأ في مثل هذه الحالات فادح وكبير وخطير... فإن بذلوا قصارى جهدهم، بتجرد وموضوعية، فمما لا ريب فيه أن الله سيهديهم إلى أفضل وسيلة لإكمال مسيرة الثورة، وربما تكون وسيلة لم تخطر على قلب أحد...
أما الآن فأحسب، والله أعلم، أن الصواب هو إلى جانب أولئك الذين يقولون:  فلتستمر الثورة بسلميتها، لأنها بتلك السلمية قد حققت الشيء الكبير ... فعلى المستوى الجماهيري نراها في ازدياد مطرد، وعلى المستوى الجغرافي امتدت على كل رقعة في سوريا، وعلى المستوى الثقافي والفكري فإن ما زودت به الثورة جماهيرها؛ خلُقًا، وخبرةً، وصبرًا، ومصابرة، وفهمًا لما يجري من حولها... إن هذا لأكبر مما كانوا سينالونه من أمهر معاهد التدريب في هذا المجال.. أما على المستوى الإقليمي والدولي فإن أنصارها يكثرون، وتعلو أصواتهم تأييدًا لها... ولنعلم، أخيرًا، أن لكل كسب كبير ثمنًا كبيرًا... ولنكن على يقين بأن الله سيهدي إلى أحسن السبل في الوقت المناسب. قال تعالى: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)).
اللهم اهدنا جميعًا إلى ما فيه رضاك وفلاحنا في الدنيا والآخرة، ونستغفرك مما تزل به ألسنتنا وتقترفه جوارحنا.
محمد جميل جانودي.
الثلاثاء 8شوال/1432 الموافق لـ 6أيلول/2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق