بعد صلاة العيد...
أدّى السُّوريّونَ في حَيِّ القابُونِِ بدمشقَ صلاةَ عيدِ الفِطْرِ، وحناجرُهُم تهتِفُ مكبرةً لله، ومُسَبِّحَةً بحمْدِه... ثمّ انْطَلَقُوا – كَعَادَتِهِمْ – لِزِيَارةِ القُبورِ، وليسَلّموا على أهلها... حاملينَ إليْهمْ بُشرياتٍ...ورُبَّما كان من بينِ البشائرِ التي يزِفُّونَها إليهمْ خبرُ الثورةِ المبَاركَةِ التي أوْقَدُوا شُعلتَها بِجَذْوَةِ إيمَانِهِمْ، وروَوا شَجَرتَها بِطُهْرِ دِمَائهِمْ...
ويَبْدو أنَّ أصْواتَ التَّكبيرِ الّتِي كَانَتْ تُجَلْجِلُ فِي عَنَانِ السَّمَاءِ قَدْ أقَضَّتْ مَضَاجِعَ الظَّلَمةِ والطَّواغيتِ، وأصابَتْ مِنْهمْ مَقْتَلاً... فَلَيْسَ شيءٌ مِثْلَ التكْبِيْرِ الحَقّ، المُنْطَلِق عَلى لِسَانِ مُؤْمِنٍ بِلَهْجَةِ صِدْق، لَيْسَ مثلَهُ في إغَاظَةٍ لِقَلْبِ كُلِّ جبَّارٍ عَنِيْدٍ...ولَمْ يَسْتَطِعْ أهْلُ البَغْيِ تَحَمُّلَ ذلِك؛ فانْدَفَعُوا مَسْعُوريْنَ إلى المَقَابِرِ... وأمْطَرُوا زُوَّارَهَا بِوابِلٍ من رَصَاصِ حِقْدِهِم، وجمْر أتُونِهِمْ... فَكَانَ ذلِكَ سببًا في ارْتِقَاءِ بَعْضِ الخُلَّصِ مِنَ النَّاس شُهَدَاءَ بِاخْتيَار ربِّهِمْ لَهُمْ...
كان ذلكَ يومَ الثّلاثاءِ صَبيْحةَ الأوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ لِسَنةِ ثِنْتِيْن وثلاثينَ وأربعِمائةٍ وألفٍ للهِجْرة...
وتَكَرَّر الْمَشْهَدُ نفسُهُ في مُدنٍ أُخْرى!!
وفي ظلِّ هذا الحَدَثِ الْجَلَلِ.. كَتَبْتُ هَذهِ القَصيْدَةُ...
حِقْدٌ في المقَابِر...
صلّيْتُ عيْديَ ثُمّ جِئْتُكِ يَا مَقَابِرْ كَيْ أزُوْرَ السَّابِقيْنَ إلَى الْمَـصَائِرْ
السّابِقيْـنَ إِلى جِـوَارِ مَلِيْكِهِمْ فِيْ دَارِ عَدْلٍ، لَيْسَ فيْهَا حُكْمُ جَائِرْ
خَاطَبْتُهُمْ يَا أهْلَنا هَـلْ فِيْــكمُ أحدٌ رَأى مَا قدْ رأيْنا مِنْ مَخَـاطِرْ
هَلْ كانَ فيْكمْ نَاطِقٌ أوْ صَامِتٌ وكلاهُمَا، مِنْ خَوْفِهِ، لِلْمَـوْتِ سَائِرْ
هَلْ كانَ فِيْكُمْ طَاعِنٌ فِي سِنّـهِ يَمْشِي عَلى جَمْرِ الطُّغَاةِ وَلا يُحَاذِرْ
هَلْ فيْـــكمُ أمٌّ تَمَدّدَ طفْلُهَـا في حُجْرِهَا، ودُمُوْعُهَا مِلءَ الْمَحَاجِرْ
وتنَاثَرَتْ أشْـلاؤُهُ بِجِـوَارِهَـا كانَتْ بِفِعْل(مُقَاومٍ) للشَّعْبِ، غَـادِرْ
هَلْ كانَ فِيْكُمْ ذاتَ يومٍ قَـاتلٌ للنَاسِ، يَضْحَكُ لا يُبالِي بَلْ يُفاخِرْ!
بِاللهِ قُوْلُوا هَلْ سمعْتُم في البَـرا يَا نَاطِقًا بالكُـفْرِ يَصْدَعُ أو يُجَاهِرْ؟
يَـأتيْ سَرِيْعًا مَنْ يُسوّغُ كُفرَهُ مَا بَيْنَ جُبّـتِهِ توارَى كَيدُ سَـاحِرْ!
حَدّثْتُمُونَا ذاتَ يَوْمٍ عَـنْ هُـلا كُو أو سِوَاهُ فِيْ المَخَازي والمنَاكِرْ
لكنّهُـمْ لمْ يَبْلغُـوا مِعْشـَار طا غُوْتٍ لِحِزْبِ البَعْثِ فِي أحْشاءِ فَاجِرْ
سَمَلَ العيُـونَ لِصِبْيَةٍ قالُوا نُريْـ دُ تحَـرُّرًا، وكَرَامَةً، قَـلَعَ الأظَـافِرْ
وأدَ البَنَاتِ معَ البنَينَ فَـأصْبَحُوا تَحْتَ الثَّرَى أوْ فِيْ مَتاهَاتِ المَعَـابِرْ!
مَلأَ السّجُـوْنَ بِكلِّ عَقْلٍ نَيِّـرٍ وبكّلِّ مَنْ يأبَى المَذلّةَ، لا يُنـَـاوِرْ
جئنَـاكُمُ في لَهفَــةٍ وتَشَـوّقٍ مُسْتَبْشِرينَ بِمَـا أتيتُـم مِنْ مآثِـرْ
لمْ نَسْتَطِعْ مُكْـثًا طويْـلاً بيْنَكُمْ نَدْعُو لكُمْ مَحْوَ الصّغَائِرِ والْكَبَـائِرْ
لم نَسْتَطعْ فالْحقْـدُ أظْهَر قَرْنَهُ وأتَى لِيَطْعنَ بالحِـرَابِ وبالخنَاجِرْ
قَـدْ تَـولّى إِثْـمَ ذلِكَ خَائِـبٌ وأعَانَه فيما تَولّى خُبْـثُ مـَاهِـرْ
ومَضَى يُقَتّلُ أو يُفَـرّق جمْعَـنَا غَضَبًا عَلى ما قَدْ تَجُودُ بهِ الحَنَاجِرْ
يَبْغِي القَضَاءَ عَلَى غِرَاسٍ أيْنَعَتْ في يَـوْمِ عِيدٍ واسْتَهَلَّتْ بالْبَشَـائِرْ
تِلْكَ الغِرَاسُ تركْتُمُوهَا غَضَّـةً فتَرَعْرَعَتْ فِي ظلِّ داعيَةٍ وثَائِـرْ
يَـا سابِقِيْـنَا إنَّنـَا في ثَـوْرةٍ قَدْ أجّجَتْ في شَعْبِنَا نُبْـلَ الضَّمَائِرْ
فِي ثَـوْرَةٍ كُبْرى تَمُوْرُ بشَـامِنَا يَهْتَزُّ منْهَا عَـرْشُ طَاغِيَـةٍ وخَائِرْ
فِيْ ثَـوْرَةٍ تُسْـقَى بِقَانٍ دَافِـقٍ جَادَتْ بهِ فِلذاتُنَا مِنْ قْـلْبِ طَاهِـرْ
فِيْ ثَـوْرَةٍ قَدْ أَثْلَجَتْ يَـا إِخْوَتِي صَدْرًا لِمَظْـلُومٍ يَئِنُّ بِلا مُنَـاصِرْ
فِيْ ثَـوْرَةٍ أنْـوارُهَا قَدْ أشْرَقتْ فَهَدَتْ لِحَقٍ كلَّ ذي سَـفَهٍ وحَـائِرْ
محمد جميل جانودي
الثلاثاء 1/شوال/1432 الموافق لـ 30 آب 2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق