السبت، 8 أكتوبر 2011

يا أيها الدبّ اللعين..

يا أيُّهَا الدّبُّ الّلعيننْ....
شعْرُ/محمد جميل جانودي
تبّـًا لِمَوقِفِكَ الْمُشِيْنْ       يا أيُّها الدُّبُّ الّلعـيْنْ
قابَلْتَ إِحْسَانَ الشَّـآمِ بِمَـــــــــــــا يُسِيء ومَا يُشيْـنْ
أيَّدْتَ قاتلَ شَعْبِـهَا        عَلّمْتَه قَطْـعَ الْوَتِـيْنْ
آزرْتَ طَاغِيَةً عَـلَى    شعْبٍ أبَى أنْ يَسْتكِيْنْ
ومدَدْتَـهُ بالقَــــاصِفَـاتِ الرّاجِــمَاتِ لآمِـنِـــــــــــــــــــينْ
ونَصَـرْتَه فِـيْ مَجْـــــــــــــــــــلـسٍ ليُدِيْنَهُ فِيْ العَاْلَمِـيْنْ
وأعَانَ ظُلْمَك سَافِلٌ      فَغَدَا بِأسفَلَ سَافِــلينْ
وأطَلّ في قَرْنٍ يُحا       كي قَرْنَ دَجَّالٍ لَعِـيْنْ
سَاوَيْتَ بَيْنَ ضَحِيَّةٍ        والقاتِلِيْـنَ الذّابِحيْــنْ
يا وارثًا للظُّلـمِ جَهْــــــــــــــــــرًا عَــــــــنْ أكابِرَ مُجْرمِيْـنْ
هَا قدْ حَنَنْتَ إلى الدّمَاءِ حَنيْنَ صَادي الظّامِئيْنْ
فثَمِـلْتَ مِنْ كأسِ الْمَنُـــــــــــــــــــــــــــــونِ أذقتَــهُ لِلْوَادِعِيْنْ
ورَشَشْتَ فَـوْقَ قُبُورِهِمْ    مُهْلاً لِحَرْقِ الياسَمِيْنْ
بَخَّرْتَـهمْ بِشُوَاظِ حِقْــــــــــــــــــــــدِكَ مِنْ زَفيْـرِ الْحَـاقِدِيْن
وزرَعْـتَ في أَرْجَائهِمْ     شَـوْكًا فأدْمَى اليَافِعِيْنْ
وبَكَتْ حَمَاةُ وأختُهَـا   حمْصٌ رِيَاضُ الصَّالِحِيْنْ
ودِمَشْقُ أَنَّتْ حُـرْقَـةً      منْ جَوْرِ سَفّاحٍ مَهِيْنْ
وغَدَا الأبـاةُ بشَامِنَـا         مِنْ جُنْـدِهِ مُسْتَهْدَفِيْنْ
وهِضَابُ حوْرانَ ارْتَوَتْ      سُقِيَتْ دِمَاءَ الطّاهِرينْ
وسُهُولُ إدْلبَ أَقْفَـرتْ      مِنْ غَيْرِ زيْتُونٍ وتينْ
أمّـا الْفُـرَاتُ فـإِنَّــــــــــــــــــــــهُ      يَا دُبُّ، منْ كمَدٍ حَزِيْنْ 
أَطْفَـالُنــــــــــا فِلْذاتُـــــــــنَـا         وُئِــــــدُوا أمَامَ النّاظِرِيْنْ
أمّا حَرائِرُنَا فَسَـــــــــــــلْ     عَنْ عِرْضِهِنَّ وقَدْ أُهِيْنْ
عَنْ خَطْفِهِنَّ وقَتْلِهِــــــــــــــــنّ ووَصْمِهِـنَّ عَلَى الْجَبِيْنْ
حتَّى الْحَمِيْرُ فإنّـــهَـا        لَمْ تَنْجُ مِنْ حِقْدٍ دَفِيْنْ
برَصَاصِك الْمُهدَى لَهَا     أثرًا غَدَتْ مِنْ بَعْدِ عَيْن
يَا أيُّهَـا الدُّبُّ الّـــــذي         لـــــمْ يَتَّعِظْ بِـالسَّابِقِيْنْ
شَعْبِيْ بسُـوريّا سَيَبْــــــــــــــــــــــقى صَامِدًا، لا، لَنْ يَلِيْنْ
ولَسَوفَ يَذْكُر مَنْ أسَـــــــــاءَ ومَـــنَ غَدَا فِيْ الْمُحْسِنينْ
سَتَكُونُ ثَوْرَتُـــــــــهُ مَنَـــــــــــــــــــــــــــــــارَ المُؤْمِنِيْنَ الثَّـائِرِيْـنْ
سَتَكُونُ نِبْـرَاسَ الشَّبَـــــــــــــــــابِ المُهْتَدِيْنَ الطّامِحِيْنْ
وسَيَكْتُبُ التّـارِيْخُ عنْـــــــــــــــــــــــــــهَا فِي سِجِلّ الخَالِديْنْ
السبت 10/ذو القعدة/1432 الموافق لـ 8/تشرين الأول/2011

الأحد، 25 سبتمبر 2011


يا رُوْحَ زينب حَلِّقي بِسَمَائنَا...
شعر/محمد جميل جانودي
بَكَتِ الْعُيُونُ على البَتُوْلِ الطَّاهِرَةْ      دَمْعًا تَلأْلأَ كالْجُمَانِ النّاضِـرة
هَمَتِ الْعُيُـونُ وقدْ تفَجَّرَ حُزْنُـها      يَرْوِيْ حِكَايَة حُرّةٍ أوْ ثَـائِرةْ
يا بِنْتَ حِمْصَ إلامَ أنْـتِ فـريدةٌ     فيكِ العُقُولُ بِمَا انفَرَدْتِ لَحَائِرَةْ
رِفْقًا بِنَـا يَا بِنْتَ حِمصَ فَـرَكْبُنا      يَمشي الْهُوَيْنى في دُروبٍ جَائِرة
حَـثّ الشّبَابُ خُطَاهُمُ في ثَـوْرةٍ      غَرّاءَ في وَجْهِ الذّئابِ الْغادرةْ
فِيْ وَجهِ منَ سلبَ الأنَامَ حُقُوقَهمْ       وفِعَـالُهمْ في كل قُبْـحِ سَافِرةْ
حثَّ الشَّبَـابُ خُطَـاهمُ تَحْـدُوهمُ     قِيَمُ التّحَرّرِ منْ عُصُورٍ غَابِرَةْ
رامُوا الثُرَيَّـا كي يَطَالُوا نَجْمَهـا      فرَأَوْكِ مِنْ فوقِ الثُريّا ظَاهِرةْ
عَجِبُوا منَ النّورِ الْمُسَطّرِ في الدّجَى     فَتَسَاءَلُوا عنْ سِرِّ شمسٍ بَاهِرَةْ
مَنْ هـذِهِ كَيْفَ ارْتَقتْ لِمقَـامِها؟      أنّى لها بينَ العُيونِ السَّاهِرة!؟
مَنْ هَـذه؟ مَـنْ لَخَّصَتْ بجَبيْنِهَا      ما سَوفَ تُبْدِعُهُ الْجُمُوعُ الهَادِرةْ
نَظَرُوا إِلَيْهَا ثُمَّ غَضُّـوا طَرْفَـهمْ      فَرنَتْ إليهِم بالحَقِيَقَةِ جَاهِـرةْ
لا تَعْجَبُوا يَا إِخْـوتيْ أَنَـا مِنْكُمُ      أختُ الشّهيْد وقدْ قضى بِمُظاهَرةْ
أَنَا زَيْنَبُ الْحُصْنيّ بنْتُ ديَـارِكُمْ      بِنتُ الْبُطُوْلَةِ والدّيَـارِ الْعَامِرةْ
أنَا مَنْ رُمِيْتُ بِما ادّعَوا مِنْ فِرْيَةٍ      وسَعَيْتُ فيْما سُمِّيَتْ بِمُـؤامَرةْ
أَنَا مَنْ أتَـاهَـا حَاقـِدٌ مُتَوَحِّشٌ       فاغْتَالَهَا وقْتَ العِشَاءِ الآخِـرةْ
ذَنْبيْ بِـأَ نّي أُخْتُ لَيْثٍ غَاضِبٍ      قادَ التّظَاهُرَ في أَتُـوْنِ الْهَاجِرةْ
جَـاؤوا إلَيَّ وحِصْنُهمْ دبّـابَـةٌ      ويَقُـوْدُهمْ مِسْخٌ لأُمٍّ فـاجِـرةْ
وَنُزِعْتُ من أحْضَانِ أَهْلِي عُنْوَةً     فَوَجَدْتُ نفسيَ في صَحَارَى مُقْفِرةْ
وتسابَـقَ الأوْغَـادُ في تَعْذِيبِهِمْ      ليَ بالسّياط وفي مَشاهدَ سَاخِرةْ
يَتَضَـاحَكُونَ كأنَّهُمْ في حفْـلةٍ       ويُعَرْبِدونَ كأنّـهمْ في مَخْمَـرةْ
بِسُيُوفِهِمْ قُطِّعْتُ إِرْبًا وانْبَرَتْ       روْحِي لِتشْهَدَ ما جَرَى فيْ الْمَجْزَرةْ
حتّى إِذا ما أيْـقَـنَـتْ وتوثّقتْ        منْ سـوءِ أَفْعَـالٍ لهمْ مُسْتَقْـذَرَةْ
صَعَدَتْ إلى الرَّحْمنِ تَشْكو مَا بِها       فَـغَدَتْ بثَـوبِ حَنَـانِـه مُتَدَثّرَةْ
وغَدَوتُ طَيْرًا فِي ريَاضِ جِنَانهِ     ونَعِمْـتُ فِي خَيْراتِها الْمُتَكاثِـرةْ
وأتَيْتُـكُم في حُلْيتي وعَبَـاءَتي     حَتَّى أكُونَ مُعِيْـنَـةً ومُنـاصِرَة
فامْضُوا ولا تَتَرَاجعُوا يَا إخْوتي     إنّي لَكُمْ بالنّصْـرِ جِئْتُ مُبَـشِّرةْ
قُـولوا لأمّيْ أنّ تَاجَ شَهَـادَتي      يَأتي لَهَـا ولِوالِـدِي بِالمَغْفِـرةْ
هُبّي عَـليْـنا يا نسَـائمَ جَنَّـةٍ      في لَيْلَـةٍ جاءتْكِ زَيْنَبُ صابِرَةْ
ما كانَ بـِدْعًا يَا جِنَانَ الْخُلْدِ أنْ       تتَـزيَّني، فَلَقَدْ أتَتْكِ الطَّـاهرَةْ
زُفّتْ إِلَيْكِ عَروسُ حِمصَ بليلَةٍ       سوداءَ مظْلِمةٍ فَصَارَتْ مُقْمِـرةْ
يَا رُوحَ زَيْنبَ حلّقي بِسَمَـائِنـا      فَنُسُـورُ ثَوْرَتِنـا إِلَيْهَـا طائِرةْ
يا رُوحَ زيْنبَ غرِّدي بهِضَابِنا         فأُسُـودُ ثَوْرتنـَا عَلَيْها زائِرَة
إنَّ الزَّيَـانِبَ في الشآم كثـيرةٌ         يَبْغينَ صدَّ فِرَنْجـةٍ وأكاسِرةْ
كمْ زيْنَبٍ في سَاحِ ثَوْرتِنَا قضتْ       كمْ زيْنبٍ في الرَّكْبِ كَانَتْ حَاضِرَةْ
كَمْ زَيْنَبٍ مِثْلِ ابْتِهَالٍ والعُلا([1])          كانَتْ بِقَافِلَةِ الشّهيْدِ مُسافِرة؟!
يَا آلَ زينبَ أَبْشِروا إنَّ المَلائِـ       ئِكَ حَوْلَ زينبَ يَمنةً أو ميْسَرةْ
يا شَعبَ زَيْنبَ، إنَّ زينبَ ترتَجي     إقْـدَامَكُمْ، كُونُوا لِزَيْنَبَ مَفْخَرةْ
يَا أُخْتَ زَيْنبَ إنّ مَوْعِدَها غدًا         لُقيَاكِ في جنَّـاتِ عَدْنِ الآخِرةْ
يَاَ شعْبَ سُورِيّا الأبِيّـةِ أنْصِتُوا        لِوَصِيَـةٍ من زَيْنبٍ مُتَـواتِرةْ
كُونوا حُمَاةَ الثّورة الكُبْرَى فقَدْ        لاحَتْ بَشَائرُ نَصْرِها في الْقاهِرةْ
وبِتُونُسَ الْخَضْرَاءِ يَوْمَ تلألتْ        وبها اسْتَضَاءَتْ لِيْبِيَـا مُسْتبْشِرةْ
وهُنَاكَ فِي الْيَمنِ السّعيدِ أَحبَّةٌ      مأسُورةٌ لِقُـلُوبِنا أو آسِـرَةْ              
يا شَعْبَ سُوريّا الْمؤصّلَ مَنْبِتًا        أهْدِيْ الضّفَـائرَ بالدِّماءِ مُعَطَّرةْ
هَذي الضَّفَـائِرُ كُنْتُ قَدْ خَبّأْتُها       بينَ الدّمَـا، أنْعِمْ بِهَا مِنْ سَاتِرَةْ
مِنْهَا اصْنَعُوا حَبْلَ النَّجَاةِ لِغَارِقٍ       يَرْجُو الخَلاصَ مِنَ الوُحُوشِ الكاَسِرةْ
وبِهَا اشْنُقُوا أعْتَى الطّغاةِ وركْبَهُمْ     مِنْ حِقْدِهم تغْـدُوْ الشآمُ مُحَرّرةْ     
السبتُ فِي 26/شوّال/1432 الموافِق لـ 24/ أيلول/2011


([1]) عُلا ياسر جبلاوي وابتهال الخويلد الأولى طفلة صغيرة من اللاذقية كانت في السيارة مع أبيها فأطلقت عليها النار فقتلت، والثانية ابتهال أصيبت برصاصة فأدى ذلك إلى بتر ساقها.

الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

صليت عيدي


بعد صلاة العيد...
أدّى السُّوريّونَ في حَيِّ القابُونِِ بدمشقَ  صلاةَ عيدِ الفِطْرِ، وحناجرُهُم تهتِفُ مكبرةً لله، ومُسَبِّحَةً بحمْدِه... ثمّ انْطَلَقُوا – كَعَادَتِهِمْ – لِزِيَارةِ القُبورِ، وليسَلّموا على أهلها... حاملينَ إليْهمْ بُشرياتٍ...ورُبَّما كان من بينِ البشائرِ التي يزِفُّونَها إليهمْ خبرُ الثورةِ المبَاركَةِ التي أوْقَدُوا شُعلتَها بِجَذْوَةِ إيمَانِهِمْ، وروَوا شَجَرتَها بِطُهْرِ دِمَائهِمْ...
 ويَبْدو أنَّ أصْواتَ التَّكبيرِ الّتِي كَانَتْ تُجَلْجِلُ فِي عَنَانِ السَّمَاءِ قَدْ أقَضَّتْ مَضَاجِعَ الظَّلَمةِ والطَّواغيتِ، وأصابَتْ مِنْهمْ مَقْتَلاً... فَلَيْسَ شيءٌ مِثْلَ التكْبِيْرِ الحَقّ، المُنْطَلِق عَلى لِسَانِ مُؤْمِنٍ بِلَهْجَةِ صِدْق، لَيْسَ مثلَهُ في إغَاظَةٍ لِقَلْبِ كُلِّ جبَّارٍ عَنِيْدٍ...ولَمْ يَسْتَطِعْ أهْلُ البَغْيِ تَحَمُّلَ ذلِك؛ فانْدَفَعُوا مَسْعُوريْنَ إلى المَقَابِرِ... وأمْطَرُوا زُوَّارَهَا بِوابِلٍ من رَصَاصِ حِقْدِهِم، وجمْر أتُونِهِمْ... فَكَانَ ذلِكَ سببًا في ارْتِقَاءِ بَعْضِ الخُلَّصِ مِنَ النَّاس شُهَدَاءَ بِاخْتيَار ربِّهِمْ لَهُمْ...
كان ذلكَ يومَ الثّلاثاءِ صَبيْحةَ الأوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ لِسَنةِ ثِنْتِيْن وثلاثينَ وأربعِمائةٍ وألفٍ للهِجْرة...
وتَكَرَّر الْمَشْهَدُ نفسُهُ في مُدنٍ أُخْرى!!
وفي ظلِّ هذا الحَدَثِ الْجَلَلِ.. كَتَبْتُ هَذهِ القَصيْدَةُ...
حِقْدٌ في المقَابِر...
صلّيْتُ عيْديَ ثُمّ جِئْتُكِ يَا مَقَابِرْ     كَيْ أزُوْرَ السَّابِقيْنَ إلَى الْمَـصَائِرْ
السّابِقيْـنَ إِلى جِـوَارِ مَلِيْكِهِمْ       فِيْ دَارِ عَدْلٍ، لَيْسَ فيْهَا حُكْمُ جَائِرْ
خَاطَبْتُهُمْ يَا أهْلَنا هَـلْ فِيْــكمُ      أحدٌ رَأى مَا قدْ رأيْنا مِنْ مَخَـاطِرْ
هَلْ كانَ فيْكمْ نَاطِقٌ أوْ صَامِتٌ      وكلاهُمَا، مِنْ خَوْفِهِ، لِلْمَـوْتِ سَائِرْ
هَلْ كانَ فِيْكُمْ طَاعِنٌ فِي سِنّـهِ      يَمْشِي عَلى جَمْرِ الطُّغَاةِ وَلا يُحَاذِرْ
 هَلْ فيْـــكمُ أمٌّ تَمَدّدَ طفْلُهَـا     في حُجْرِهَا، ودُمُوْعُهَا مِلءَ الْمَحَاجِرْ
وتنَاثَرَتْ أشْـلاؤُهُ بِجِـوَارِهَـا     كانَتْ بِفِعْل(مُقَاومٍ) للشَّعْبِ، غَـادِرْ
هَلْ كانَ فِيْكُمْ ذاتَ يومٍ قَـاتلٌ    للنَاسِ، يَضْحَكُ لا يُبالِي بَلْ يُفاخِرْ!
بِاللهِ قُوْلُوا هَلْ سمعْتُم في البَـرا     يَا نَاطِقًا بالكُـفْرِ يَصْدَعُ أو يُجَاهِرْ؟
 يَـأتيْ سَرِيْعًا مَنْ يُسوّغُ كُفرَهُ      مَا بَيْنَ جُبّـتِهِ توارَى كَيدُ سَـاحِرْ!
حَدّثْتُمُونَا ذاتَ يَوْمٍ عَـنْ هُـلا      كُو أو سِوَاهُ فِيْ المَخَازي والمنَاكِرْ
لكنّهُـمْ لمْ يَبْلغُـوا مِعْشـَار طا     غُوْتٍ لِحِزْبِ البَعْثِ فِي أحْشاءِ فَاجِرْ
سَمَلَ العيُـونَ لِصِبْيَةٍ قالُوا نُريْـ      دُ تحَـرُّرًا، وكَرَامَةً، قَـلَعَ الأظَـافِرْ
وأدَ البَنَاتِ معَ البنَينَ فَـأصْبَحُوا       تَحْتَ الثَّرَى أوْ فِيْ مَتاهَاتِ المَعَـابِرْ!
مَلأَ السّجُـوْنَ بِكلِّ عَقْلٍ نَيِّـرٍ      وبكّلِّ مَنْ يأبَى المَذلّةَ، لا يُنـَـاوِرْ
جئنَـاكُمُ في لَهفَــةٍ وتَشَـوّقٍ     مُسْتَبْشِرينَ بِمَـا أتيتُـم مِنْ مآثِـرْ
لمْ نَسْتَطِعْ مُكْـثًا طويْـلاً بيْنَكُمْ     نَدْعُو لكُمْ مَحْوَ الصّغَائِرِ والْكَبَـائِرْ
لم نَسْتَطعْ فالْحقْـدُ أظْهَر قَرْنَهُ      وأتَى لِيَطْعنَ بالحِـرَابِ وبالخنَاجِرْ
قَـدْ تَـولّى إِثْـمَ ذلِكَ خَائِـبٌ      وأعَانَه فيما تَولّى خُبْـثُ مـَاهِـرْ
ومَضَى يُقَتّلُ أو يُفَـرّق جمْعَـنَا    غَضَبًا عَلى ما قَدْ تَجُودُ بهِ الحَنَاجِرْ
يَبْغِي القَضَاءَ عَلَى غِرَاسٍ أيْنَعَتْ    في يَـوْمِ عِيدٍ واسْتَهَلَّتْ بالْبَشَـائِرْ
تِلْكَ الغِرَاسُ تركْتُمُوهَا غَضَّـةً      فتَرَعْرَعَتْ فِي ظلِّ داعيَةٍ وثَائِـرْ
يَـا سابِقِيْـنَا إنَّنـَا في ثَـوْرةٍ      قَدْ أجّجَتْ في شَعْبِنَا نُبْـلَ الضَّمَائِرْ
فِي ثَـوْرَةٍ كُبْرى تَمُوْرُ بشَـامِنَا    يَهْتَزُّ منْهَا عَـرْشُ طَاغِيَـةٍ وخَائِرْ
فِيْ ثَـوْرَةٍ تُسْـقَى بِقَانٍ دَافِـقٍ     جَادَتْ بهِ فِلذاتُنَا مِنْ قْـلْبِ طَاهِـرْ
فِيْ ثَـوْرَةٍ قَدْ أَثْلَجَتْ يَـا إِخْوَتِي    صَدْرًا لِمَظْـلُومٍ يَئِنُّ بِلا مُنَـاصِرْ 
فِيْ ثَـوْرَةٍ أنْـوارُهَا قَدْ أشْرَقتْ     فَهَدَتْ لِحَقٍ كلَّ ذي سَـفَهٍ وحَـائِرْ
محمد جميل جانودي
الثلاثاء 1/شوال/1432 الموافق لـ 30 آب 2011
        


        
        

ليس غريبًا هذا الطرح.. ولكن...


بسم الله الرحمن الرحيم
ليس غريبًا هذا الطرح... ولكن....
ثمة سؤال سرعان ما يتبادر إلى ذهن المرء، وهو يسمع عن طرحٍ من بعض الأحبة يتحدث فيه عن انتهاء مرحلة من الثورة السورية، عمرها ستة أشهر، وبدء مرحلة جديدة، انتهاء مرحلة (سلمية الثورة) وبدء (مرحلة الثورة المسلحة) ... والسؤال هو: لماذا هذا الطرح؟
إن الناس يعمدون إلى تغيير واقع لهم (أنى كان) حين يتأكدون من أن هذا الواقع لم يَبْق مجديًا، وأن ضرره أكثر من نفعه، وأن البديل الذي سيُحلونه مكان الواقع الأول هو أكثر نفعًا، وأقل ضررًا، ويُقربهم أكثر من الهدف الذي يصبون إليه من خلال ذاك الواقع...
وإذا أردنا أن نعتمد هذه القاعدة في حال الثورة السورية المباركة فلا بد من المرور على الآتي:
أولاً: إن احتمال قيام هذه الثورة ضعيف جدًا ، إن لم يكن مستحيلاً، بناء على الوضع في سوريا الذي يتميز بوجود حكم شمولي، من نوع خاص، جثم على صدور العباد لأكثر من أربعة عقود من الزمن، وهو يمنهج من خلالها لإرهاب فكري ومادي واقتصادي وثقافي وأمني ، ويُجري بذلك عملية غسل للأدمغة إلا من شيء واحد.. وهو أن النظام الحاكم (بشخوصه) وحده الذي فيه خير سوريا، وفيه حمايتها وحفظها وعزتها وكرامتها... وحاولت عملية (الغسل) تلك أن تمسح من الذاكرة حقائق كثيرة  عن مسؤولية النظام عن أرض مسلوبة!، واقتصاد متدهور، وفساد اجتماعي ومالي وإداري، ساد البلاد من أقصاها إلى أقصاها...وتكريس للطائفية النفعية.. وبالتالي فأي همسة، مهما كانت خافتة، توجه بالنقد إلى النظام فإن أقل ما ينتظر صاحبها مصير مجهول ومشؤوم.. وبائس..
في خضم هذا الواقع ولدت الثورة، والناس حيالها بين مذهول ومكذب ومحتار.. أما الرابع فهو مصدق لها، وواثق برجالها، بعد أن أرجعها إلى أنها ربانية،  أراد الله سبحانه وتعالى أن تولد ليبطل ذلك التألي على الله بأن الحالة في سوريا تختلف عما هي في سواها، وأنه يستحيل قيام ثورة فيها كما حصل في تونس ومصر...
ثانيًا: انطلقت الثورة، وكانت من أول يوم واضحةَ السِّمة، وواضحةَ الهدف، وواضحةَ الوسائل، فسِمَتها سلمية، وهدفها القضاء على الفساد بصوره وأشكاله كافة؛ هذا القضاء الذي عُبر عن آليته بتغيير جذري للنظام، أما وسائلها فتتجلى في الجهر الجمعي بكلمة الحق، والتظاهرات السلمية بصور عديدة، لا تخرج عن السمت العام للثورة...
ثالثًا: إذا علمنا بأن السواد الأعظم ممن يراقبون الحالة في سوريا قبل الثورة ولحظة انطلاقها وبعدها، ( سوريين كانوا أم غير ذلك).. إذا علمنا بأنهم ممن يقول عنها إنها ربانية، يسر الله قيامها في جو من اليأس والقنوط، تنفيذًا لمشيئة الله في زمان ومكان محددين..كما أُشير إلى ذلك أعلاه، فإنه ما من أحد يُجادل في أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد نفاذ أمر هيأ أسبابه... وهذا ما حصل بالفعل على أيدي أطفال درعا الميامين، وبعناد الجلاوزة الذين كانت ردود أفعالهم وقودًا يُذكي الثورة ويزيدُها التهابًا وضرامًا...وانطلقت بسلمية نقيةٍ... وكتب الله لها النمو المتسارع وأظهر من الآيات البينات ما يدل على صحة المسار... وأحسب، والله أعلم، أنّه لو كانت السلمية غير مناسبة لَمَا ألهم الله شبابها الأخذَ بها؛ لأنه سبحانه، وهو الرحيم الغفور، ومن غير تألٍّ عليه، يريد الأصلح لعباده في أي أمر ويهديهم إليه (( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) ولمَا كتب الله لها أن تستمر، وتظهر دلائل نجاحها في زمن قياسي...
رابعًا: لننظر ماذا كان من ثمار سلمية الثورة؟ في الحقيقة كان منها خير عظيم، وعلى الأصعدة كافة:
(1)     تعميم التخلص من الخوف غير العادي، والمعشش في نفوس الناس منذ عقود... ولو بدأت مسلحة لرأينا أن هذا الخوف يُنزع، فقط، من نفوس قلة قليلة؛ هي تلك التي تحمل السلاح.. أما الباقون فيبقون على ما هم عليه... لكن التلاحم المادي واللفظي والروحي، الذي يتحقق في المظاهرة السلمية، يحقق ما لا تحققه مجموعة من مسلحين انعزلوا في كهف، أو قبو بناية، أو أي مكان آخر... فهذا التلاحم يحوّل الآلاف المنطلقة في تظاهرة سلمية إلى كيان واحد، يصبو إلى هدف واحد، وينطق بلسان واحد، ويحس بإحساس واحد ، وتذوب في هذا التلاحم جميع أشكال الفرقة والتمايز التي لا يخلو مجتمع منها في الأحوال العادية.
(2)   التزود بقيم أصيلة؛ كالإيثار، والتنافس، والكرم، والشجاعة، فتنقلب المظاهرة السلمية إلى مدرسة في الأخلاق، ومعهد للتدريب على الانضباط، والطاعة، ومستشفى ميداني للإسعاف، ومصلّى يحس به المصلون بالخشوع والعبودية لله وحده..يستمدون منه العون فيما هم مجتمعون لأجله..ومدرسة يتعلم فيها المتظاهرون كل كلمة طيبة، وشعار سام، وسلوك نظيف... ولا يخدش هذا ما قد يصدر عن بعض المتظاهرين من كلمات غير محبذة، دافعها رد فعل على ظلم مفرط مورس على الناس في تلك الحقبة المظلمة السابقة للثورة..
(3)     الاتصال الإيجابي مع المجتمع المحلي... والمجتمعات الإقليمية والدولية... فتصبح هذه المجتمعات على دراية تامة بهدف الثورة الشعبية، وبوسائلها، وأدواتها، من غير أن يُتاحَ لِمُغرض تشويهها، ودس السم في الدسم في أدبياتها.. فالمظاهرة السلمية، وبحشدها الجماهيري، تؤمِّن للناس التعرفَ المباشر على الثورة، وبلا واسطة، أو كما يُقال في المثل الشامي ((قطف المعلومة من فم الماعون))، وعلاوة على كون هذا الاتصال يؤمّن المعلومة الصحيحة للمجتمعات التي لا تغمض أعينها ولو للحظة عن وقائع الثورة، ولا تغلق أذنيها عن أي خبر عنها... فإن هذا الاتصال المباشر، عبر وسائل الإعلام، يؤمن التعاطف الكبير مع الثورة.. وكسب ود تلك المجتمعات ونصرتها، كل حسب إمكاناته وطاقاته.
(4)     الخسائر في الأرواح والممتلكات في الثورة السلمية تكون أقل بكثير من تلك التي ستقع في حال (الثورة المسلحة) كما أنه في الحالة الثانية تكون الخسائر شاملة للتعاطف المشار إليه أنفًا.
(5)     بالنسبة للثورات التي تحصل في البلدان الإسلامية (ومنها سوريا) يكون من الخطأ الجسيم التحدث عن الثورة بمعزل عن توفر رأي (واحد على الأقل) يكسب مجرياتها غطاء شرعيًا، ومن الخطأ أيضًا الإدلاء بأي شأن من شؤونها من غير الاستئناس بحالات كانت في تاريخ المسلمين لا تخلو من أوجه شبه بينها وبين الثورة... ولو عدنا إلى الهدف الوحيد من الثورة السورية لوجدناه متمثلاً في تغيير شامل لنظام تربع الفساد بصوره المتعددة (العقدي والاجتماعي والمالي والإداري و..) على بساط سدنته.. وحين جاء النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الواقع الفاسد، في مكة، سلك مع صحابته أسلوب التغيير السلمي، بعيدًا عن أي مظهر مسلح.. حتى إنه كان يردّ على من يأتيه طالبًا استعمال السلاح والقتال لدفع الظلم والقهر والقتل الممارس من قبل طواغيت قريش على أتباعه صلى الله عليه وسلم، دعاة التغيير السلمي في هذه المرحلة،  كان يرد عليهم "لم أؤْمر بعد" ولم يؤُذن لي بعد... بل استمِرُّوا على ما أنتم عليه من صلاة، وقول حسن، وصبر، ومصابرة... وكان يصف الذين يلحّون عليه بأن يأذن لهم بالقتال وطلب النصرة، بالاستعجال...
(6)      ثم إن أمرًا يحسن تذكير الأحبة به وهو ما ورد في حديث حسنه الترمذي من أنه يأتي وقت على المسلمين ينتصرون فيه على أعدائهم، وسلاحهم يومئذِ ليس (كلاشينكوف) ولا (آر.بي.جي) ولا(بي.تي.إر) وإنما التكبير والتسبيح والتهليل، وهم في حرب مع عدو متحيز في أرض مستقلة له، وهم في أرض مستقلة لهم.. واستخدام السلاح هنا ليس مثل حالة كون المتقاتلين مختلطين في السكن وفي قضاء المصالح... وغير ذلك... أفلا يجدر بالثوار اليوم أن يتوقفوا كثيرًا أمام هذه الطريقة... ويرفعوا أصواتهم بالتكبير(التكبير هنا هو رمز لكل إجلال لحق وخير، وتحقير لكل باطل وشر) للانتصار على عدوهم، فقد جاءت روايات كثيرة عن أخبار الثورة بأن كثيرين من أزلام السلطة كالشبيحة وغيرهم كانوا يهربون من أصوات الجماهير الثائرة وهي تهتف ((الله أكبر))...
(7)    من المعلوم أن الانتقال إلى ((ثورة مسلحة)) يترتب عليه أمور كثيرة ومُكلفة، والناس معرّضون فيها إلى خسائر فادِحة ، وأن على أصحابِ الشأن أن يتوقفوا مليًا عند هذا الانتقال، قبل الشروع فيه...والسؤال هنا: هل تم الإعداد بأقصى الاستطاعة؟ والإعداد يشمل أوجهًا كثيرة (الإعداد النفسي، والإعداد المادي من توفير عناصر القوة كالسلاح وغيره، والإعداد الاجتماعي؛ لأن المواجهة المسلحة تنعكس بآثارها على المجتمع بمختلف مكوناته؛ كالشيوخ، والنساء، والأطفال، والتجار، والحرفيين، والمهنيين.. وما أحسب أن آثار مواجهة تمّتْ في الماضي القريب، بخافية عن أحد...وغير ذلك من صور الإعداد).
(8)     ثم يأتي موضوع النّصرة الخارجية التي يُعوَّل عليها... فهل هي مضمونة يا ترى؟ وهل نتائجها مقبولة... فالرسول صلى الله عليه وسلّم لم يقبل من قومٍ أن يكونوا أتباعًا له، ومؤيدين ومناصرين لقضيته بعد أن اشترطوا أن يكون الأمر إليهم من بعده! وإنما قال لهم: الأمر لله يضعه حيث يشاء... فهل أولئك الذين يُعَوّل عليهم فيما يُطلق عليه ((الدعم الدولي)) أو ((الحماية الدولية)) يفعلون فعلهم مجردًا عن مثل ذلك الشرط ولو بنسبة ما؟ هذا إن فعلوه!!
بقي أمر لابد من الإشارة إليه؛ وهو وجوب تفهم دوافع الأحبة الذين يطرحون فكرة الانتقال بالثورة من مرحلتها السلمية إلى مرحلة عسكرتها... وهي دوافع ذات شأن.. فمن منا لا يتقطع قلبه، ويعتصر فؤاده ألمًا وحزنًا على ذلك الشباب النضر وهو يُخطف من بيننا بأبشع أنواع الخطف والقتل والتمثيل.. ومن منا لا يُفكر في كيفية إيقاف هذه الوحشية التي تُمارس على شباب سوريا الطاهر... ولكن الأمور لا تؤخذ بعجالة، وإنما يجب، وبإلحاح، على علماء الأمة من ذوي الاختصاصات المتعلقة بالموضوع، وممن لديهم خبرة وتجربة عملية، أو على الأقل؛ ممن اطلعوا بإسهاب وبدقة على تجارب الشعوب في هذا المجال، وممن درسوا بإسهاب ما كتبه العلماء والمتكلمون بشأن الثورات ..على هؤلاء أن يبتوا في الأمر على مكث وتريث... فالخطأ في مثل هذه الحالات فادح وكبير وخطير... فإن بذلوا قصارى جهدهم، بتجرد وموضوعية، فمما لا ريب فيه أن الله سيهديهم إلى أفضل وسيلة لإكمال مسيرة الثورة، وربما تكون وسيلة لم تخطر على قلب أحد...
أما الآن فأحسب، والله أعلم، أن الصواب هو إلى جانب أولئك الذين يقولون:  فلتستمر الثورة بسلميتها، لأنها بتلك السلمية قد حققت الشيء الكبير ... فعلى المستوى الجماهيري نراها في ازدياد مطرد، وعلى المستوى الجغرافي امتدت على كل رقعة في سوريا، وعلى المستوى الثقافي والفكري فإن ما زودت به الثورة جماهيرها؛ خلُقًا، وخبرةً، وصبرًا، ومصابرة، وفهمًا لما يجري من حولها... إن هذا لأكبر مما كانوا سينالونه من أمهر معاهد التدريب في هذا المجال.. أما على المستوى الإقليمي والدولي فإن أنصارها يكثرون، وتعلو أصواتهم تأييدًا لها... ولنعلم، أخيرًا، أن لكل كسب كبير ثمنًا كبيرًا... ولنكن على يقين بأن الله سيهدي إلى أحسن السبل في الوقت المناسب. قال تعالى: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)).
اللهم اهدنا جميعًا إلى ما فيه رضاك وفلاحنا في الدنيا والآخرة، ونستغفرك مما تزل به ألسنتنا وتقترفه جوارحنا.
محمد جميل جانودي.
الثلاثاء 8شوال/1432 الموافق لـ 6أيلول/2011

السبت، 13 أغسطس 2011

لا تأسي يا منارة دير الزور

لا تَأْسَيْ.. يَا مَنَارَةَ ديرِ الزُّور..
شعر/محمد جميل جانودي
عَلَـَوتِ أبِيّــةً نَحْـوَ السَّمَاءِ      رمَزتِ إلى الطَّهَارَةِ والنّقَـاءِ
سَمَوْتِ بما انْطَوَيْتِ عَلى مَعَانٍ      هِيَ الأَسْمَى بِعُرْفِ الأنْـبِيَاءِ
رَنَتْ لِجَمَالِكِ الأبْصَارُ حَتَّــى     أُصِيبَتْ بانْبِهَـارٍ فِي حَيَــاءِ
رأَوْا فيْكِ العَـدَالةَ في البَرَايَـا      وكُنْـتِ دليْـلَ أرْبَابِ القَضاءِ
وألفَوْا فِيْ نـِدائِكِ صَـوْتَ حَقٍ     يُبدِّدُ صَوْتَ زِنْديقٍ مـُرائـِي
هتافُكِ في سمَاءِ الدّيْـرِ أهْدَى       لأهْلِ الدّيْرِ وقْفَاتِ الإبـَــاءِ
فَمَا وهَنُــوا وما لانُوا ولكـنْ     تفَانَوا في الجهادِ وفي العَطاءِ
شمَخْتِ بقَـامةٍ هيفَــاءَ تَحْكيْ     شُمُوْخَ الطَّامحينَ إلى العَـلاءِ
عَـلا فيهِـم أذانُك أنْ هلُمّـوا      إلى كنَفَـي سيَحْميْكُم ردَائـي
حُشودُ الناسِ حَولَكِ في خُشُوعٍ      تُكَبّرُ فِي الصَّبَاحِ وفِي الْمَسَاءِِ
بَعَثْتِ نِداءَهَـم في كل نـَـاحٍ      فَمَزّقَ كلّ سِتْرٍ أو غِـطَــاءِ
وفي مِحْرَابِ عُثْمَانَ استَـهَلُّوا       تَمَرّدَهُم عَلَى رَأْسِ الشّــقَاء
عَلَى مَنْ عَاثَ في الدُّنْيَا فَسَادًا       يُقتّـلُ في الرِّجالِ وفي النّساءِ
على مَن ظنّ أنَّ النّاسَ أضْحَوْا      عَبِيْـدًا في التّــذَلُّلِ والْوَلاءِ
على أحْفادِ (قُرْمُطَ) في ضَلالٍ      وإخْـوَانِ التّتَـار بِلا مِـرَاءِ
على مَنْ هالَــهُ مِنْكِ ارتقَـاءٌ     بشُبّــانٍ إلى أسْمَى ارْتِقَـاءِ
فسلّط غِلْمَةَ الأوبَــاشِ حِقْـدًا     عَلَيْكِ لِمَا لَدَيْكِ مِنَ الْبَهَــاءِ
وراحُوا يَرْجُمُونَكِ مِنْ بَعِــيدٍ      بِأسْـوَأِ ما لَدَيْهِمْ في غَبَــاءِ
بقُنْبـُـلَةٍ وصَاروخٍ وكَيْـــدٍ     ثلاثٌ دَمّـرَتْ أزْهَى بِنـَـاءِ
لقَدْ أعْـمَاهُمُ حِقْــدٌ دفِـيـْنٌ      فَمَا فَطِنُوا لِمُسْتمِـعٍ ورَائِـي
وظنُّـوا أنّ قَصْفَـهمُ لِطيْــنٍ     سيُنْـهي ثَـوْرةً للأصْفِيَــاءِ
وما عَلِمُوا بِأَنَّ النّـارَ تَــذْكُو     إذا مَا حُركتْ بعْدَ انْطفَــاءِ
وأنّ الضَّغـطَ يعْـقُبُهُ انفِـجَارٌ     وأنّ النّفس تُصقلُ بالبـَــلاءِ
وهذا شأنُ ثَـوْرَةِ كُلِّ حُـــرٍ     كَثَوْرَتِنَا، تُـؤجَّـجُ بالدّمـَـاءِ
فيَـا أخْتَـاهُ لا تَـأسَيْ فَـإنّـا     سَنَمْضِي؛لا رُجُوعَ إلى الوَرَاءِ
نُعَاهِـدُ ربّنَـا فِـي ذاكَ دومًا      وعهدُ اللـهِ أجْـدَرُ بِالْوفَـاءِ  
الخميس 11/رمضان/1432 الموافق لـ 12/آب/2011


  


الثلاثاء، 2 أغسطس 2011

ميلاد الثورة


ميلاد الثورة...
حتى وقت قريب؛ وفي عالم الولادات، يُعتبَر شخص ما قد ولد من لحظة خروجه من رحم أمه على الدنيا.. ويبدأ المهتمون بذلك يُحصون عمره وأحواله من تلك اللحظة، ويدرسون كل ما يمر به من تطور وتغير عضوي، أو نفسي أو عقلي... ويربطون بين تلك التغيرات وما يشاهدونه على المولود من سلوكيات وممارسات.. ثم يُقدمون تقريرهم عنه بما يحتويه من إيجابيات أو سلبيات... ولكن الأمر تغير فيما بعد؛ فتوجهت الدراسات بعد الاكتشافات المذهلة من قبل علماء الأحياء والطب والوراثة والنفس والاجتماع إلى الاهتمام الجاد والدقيق بحياة الطفل منذ لحظة تكونه كعلقة في رحم أمه... وما يتعرض من مؤثرات ومحرضات لسلوكه حتى وهو في داخل ذلك الرحم.. ويراقبون استجاباته لتلك المؤثرات ، ومن ثم يربطون حياته بكل صورها العضوية والنفسية والعقلية بتلك المرحلة... بل ويذهب كثيرون إلى أبعد من ذلك ضاربين في أعماق سلالة الأبوين ، وما يحملان من مورثات، لها أثر على الأبناء ولو بعد أجيال...
وأحسب، والله أعلم، أن الحديث عن الثورة السورية يجب أن يتم بمنهجية مماثلة حتى لا نهضمها حقها... حقًا إن الثورة السورية ولدت بالشكل الذي رأيناه ونراه، في اليوم العاشر من ربيع الآخر، لعام ألف وأربعمائة واثنين وثلاثين للهجرة، والموافق للخامس عشر من آذار لسنة ألفين وإحدى عشرة للميلاد، وأخذنا نقيّم فعالياتها ومُجرياتها منذ ذلك التاريخ... ولكن من العدل والإنصاف أن نرجع إليها وهي في رحم أمها، والرحم هنا هو الوطن والشعب آخذين بعين الاعتبار الأطر الاجتماعية والظروف القاسية والصعبة والمرّة التي تعرض لها ذلك الرحم، وآثار ذلك على الثورة الجنين...
إن الثورة السورية ولدت حقيقة من أول يوم أحس فيه المواطنون باقتناص موقع التحكم بشؤون حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها؛ اقتناصًا لم يكن له مثيل أو نظير... وأخذ هذا الإحساس يلعب دوره الهام، في التحضير للثورة، من خلال الآثار المترتبة عليه...
ظهرت تلك الآثار بصور عديدة.. ظهرت في التململ العام والعارم لدى الناس جميعًا لحظة وقوع ذلك القنص.. وظهرت في الهمسات والتمتمات التي لم يكن لها أن تغادر الشفاه، إلا لدى النذر اليسير، وهي تتساءل.. كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟... ظهرت في تلك الهبّة القوية التي كان لها صداها في كل أنحاء سوريا، اعتراضًا على الدستور ومواده الغريبة العجيبة... وهذه الآثار ظهرت متمثلة بأرتال سجناء الرأي الذين استجابوا لمؤثرات الضغط النفسي داخلهم، والضغط السلطوي، الممارس في داخل رحم الثورة (الشعب والوطن)، التي لم تولد بعد؛ بالمفهوم التقليدي للولادة.. فارتفعت الهمسات، وأصبحت صرخات... ظهرت كذلك باستنكارٍ، ذي كُمُون هائل، لذلك الفرز البغيض لأفراد الشعب الواحد حين تم تأسيس ما أطلق عليه ((الجيش العقائدي)) ومنظمات ((الطلائع)) و((شبيبة الثورة)) وغيرها...كما تجلّت آثار ذلك الإحساس لدى الناس، بذلك التعامل الوحشي غير المسبوق مع الشعب الأعزل، في حماة، وجسر الشغور، وسرمدا، وحلب، وحمص، وغيرها من المدن السورية... وظهرت بالصبر المرير على استغفال الناس، والسخرية منهم، حين يُضحَك عليهم بكلمات ظاهرها الرحمة والصمود والممانعة، أما باطنها فمنْ قِبَله العذاب الذي يتمثل في الكذب والاستسلام والتسويف للمواجهة مع ((العدو))... كل ذلك كان يتم في الرحم ظاهرًا وباطنًا... وظهر أثر ذلك الإحساس أيضًا بالصبر على لأواء الغربة وشدة مرارتها، وقسوة عَيْشها عند من أُخرجوا من بيوتهم ووطنهم قسرًا... وكان كل ذلك يسير جنبًا إلى جنب مع تنامي الطاقة الكامنة المخزونة في نفوس وصدور الناس، والتي تكفلت مُوَرّثاتُهم النفسية والاجتماعية والبيولوجية إلى نقلها، بأمانة، خلال ما يزيد عن أربعين سنة، إلى صدور الأبناء والأحفاد ...
وحين حفلت تلك الصدور بذلك الكمّ الهائل من الطاقة... فاجأت الناس بولادة لم تكن طبيعية... صحيح أن الناس يعرفون أنّ للظلم نهاية حتمية، وأن الأيام دولٌ بين الناس، وأن للصبر حدودًا ثم ينفد... ولكن لم يكن أحد يتوقع أن الصدور التي تغلي بها تلك الطاقة قد ضاقت بها ولم تعد تحتمل مزيدًا من الغليان... وأن النفوس التي كانت تمثل جبالاً من الصبر لم تعد تستطيع أن تكْبُر أكثر مما وصلت إليه لتتسع لصبر أكثر... في هذه اللحظة  شاء الله أن تولد الثورة للعيان، بعد أن كانت مولودة في كل صدر وجَنان... أجل ولدت ، وما من أحد صدق ذلك... ولكن سرعان ما تلاشى وقع تلك المفاجأة، حين رأى الناس أن هذا الوليد ينمو بصورة مثيرة ومدهشة، كما ولد بصورة مثيرة ومدهشة.. ذلك لأن ما لديه من مخزون للزاد والطاقة كفيل له بذلك التنامي السريع...
 وأخذ المراقبون والمحللون والدارسون يُدلون بآرائهم في هذه الولادة وظاهرة التنامي المتسارع، والارتقاء الإيجابي بالوسيلة والهدف... ولكل وجهة نظر.. وفي الغالب كانت وجهات النظر، تلك، لا تجافي الحقيقة، أو ما يقترب منها... ولكن الذي أحسب أنه غير مقبول هو بعض وجهات النظر، التي تتمثل في أن نغمض عيوننا عما جرى في رحم الثورة عبر عقود، ونتجاهل دوره وإيجابيته في وصول الثورة إلى ما وصلت إليه... وهذا الدور يتمثل في نبعين للطاقة الثورية أولهما محاولات الآباء والأجداد التي أشرنا إليها أعلاه، وإن لم تؤت ثمارًا آنية إلا أنها كانت وقودًا مخزّنًا لليوم المرتقب... وثانيهما جهل السلطة المقتنِصَة بطبائع الأشياء، وإصرارها على مزيد من القمع والاستئصال والإقصاء والاستهانة والاستغفال...فلله در هذين النبعين كم كان لهما أثر في تفجير الثورة!!!
انطلاقًا مما سبق بيانه نخاطب شيوخ اليوم وكهوله قائلين لهم: لا تجلدوا أنفسكم كثيرًا حين تجردونها من أي دور لما يقع اليوم على أرض سوريا الحبيبة... نعم؛ أنتم تُشْكرون على عَزْو الفضل لأهله ... هذا الفضل الذي جسده الشباب الطاهر النقي وهو يبذل دماءه رخيصة من أجل إعادة المغصوب إلى أصحابه الشرعيين... وهذا تواضع محمود منكم... ولكن لا تظلموا من أراق دمه منكم ومن جيلكم وهو يهدف إلى الغاية نفسها .. حتى لو أخطأ في الاجتهاد، أو تعثر في الطريق؛ لظروف قد يكون معذورًا بها.. وما أحسب أن الشباب الثائر الآن يرضى عن ذلك التجاهل والتغافل...بل يُزعجه ويؤذيه..
كما نخاطب آخرين ممن لم ينظروا إلى الثورة إلا بدءًا من يوم الثلاثاء الخامس عشر من آذار ونقول لهم: نرجوكم يا أحبتنا وسّعوا أفق نظركم، وليكن له قدرة على العودة إلى الذاكرة التي تحمل في سطورها كثيرًا من الثمين والسمين الذي يجب ألا يُغفل ولا يُنسى...
إن أي ولادة تصحبها آلام وأفراح...واقتضت حكمة الله أن تكون الآلام في عهد الشيوخ والأفراح في عهد الشباب، وهذا منطقي لأن ألم الولادة يسبق الفرح بها...وإن كان لا يخلو كل منهما من الآخر ولو بنسبة ما!!
وعليه فإن الثورة هي جماع ذلك كله... إنها ثورة شيوخ شابوا فيها، وثورة شباب أعادوا إليها نُضْرتها وحيويتها وتوهّجها من بعد ما شابها الذي شابها، وكادت جذوتها أن تنطفئ... شبابٍ عالجوا ما شوهها من جروح وندوب، في المسيرة الأربعينية الطويلة... وهاهم الآن يكسونها أجمل حلّة؛ وهي تتأهب للبر والوفاء بالرحم الذي احتضنها أولاً، ثم دفع بها إلى العالَم لتكون أعجوبة العصر ثانيًا...نعم الوفاء للشعب والوطن، بأن تعيد إليه ما اغتُصب منه وزيادة...فلْيَسِرْ الشيوخُ وراء الشباب يراقبونهم، ويتعلمون منهم، وينصحونهم، ويدعون لهم...ولا ريب في أن الشباب حين يصلون إلى أول مَعْلَمٍ لهدفهم سيلتفتون إلى الشيوخ، ويلتفون حولهم، ويقولون برًا بهم ووفاء لهم: شُكرًا لكم، فقد كان لسيركم وراءنا، ودعائكم لنا أثرٌ فيما وصلنا، جميعًا، إليه....فخذوا أمكنتكم داعين وناصحين وموجهين... ولنأخذ أمكنتا ثائرين وفاعلين وبانين.. فالطريق طويل.. ولكننا سنسيره معًا متعاونين متآزرين ...
الأحد  16/شعبان/ 1432 الموافق لـ 17/تموز/2011  
محمد جميل جانودي.

الاثنين، 1 أغسطس 2011

الثورة... ورمضان

الثورة... ورمضان
شعر/محمد جميل جانودي
أسْرعْ حَبِيْبِي فَقَلْبِيْ كادَ يَنْفَطِـرُ   شَوْقًـا إلَيْكَ ودَمْعِيْ سَالَ يَنْهَمِـرُ
غَيْرِيْ يَتُوْقُ إلَى لَيْلاهُ فِي سَعَةٍ    لِكِنَّ صَدْريْ بِمَنْ يَهْـوَاهُ يستَعِـرُ
أهْوَى الْهِلالَ إِذَا أبْدَى بِشَاْرَتَهُ     شهْرُ الصِّيَامِ أتَى بالخَيْرِ فَابْتدِرُوا
يَا خَيْرَ شَهْرٍ لَهُ فِيْ النَّفْسِ مَوْقِعُهُ  تَسْمُوْ بِهِ خُلُقًا، تَزْهُــوْ وتَنْتَصِرُ
حُدّثْتُ عَنْكَ كأَنّي لَسْتُ فِيْ شُغُلٍ   فِيْمَنْ أُحِبُ، لَعَمْرِيْ إنّـهُ الْهَـذَرُ
لَمْ يَعْرِفُوْا أنّنِي أبْــقَى مُسَهّدةً    أرْعَى النّجُومَ، بِليْـلٍ مَا بهِ قَمَـرُ
أرعَى النُّجُوْمَ وإنّي أرْتَجِيْ خَبَرًا   يَشْفِي غَلِيْلِي، فَلا حُـزْنٌ ولا كَدَرُ
ولِدتُ فِي الشَّامِ والأفْهَامُ حَائِرَةٌ    مَنْ هَذِهِ؟ أَفْصِحُوا يا قومُ ما الخبَر؟
فالشَّامُ قَدْ عَقِمَتْ والأرْضُ مُجْدِبَةٌ  مَـرّْت عُقُـوْدٌ وَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا مَطرُ
والعِشْبُ أضْحَى هَشيْمًا لا حَيَاةَ بِهِ  بَـكَى عَلَيْهِ قُساةُ القَـلْبِ والحَجَرُ
ولِدْتُ فِي الشَّامِ والآمَالُ قَدْ دُفِنَتْ  فِيْ قَاعِ زِنْـزَانَةِ مِنْ حَوْلِهَا الْخَفَرُ
لَمْ يَدْرِ مُنـدهِشٌ أنّي عَلى قدَرٍ    فمَوْلِدِيْ هَا هُنـَا قَـدْ خَطَّهُ القَدَرُ
ناديتُ(حريّةٌ)في النَّاسِ فَانْدَفَعُوا    بِاسْمِيْ لقَـدْ هَتَفُوْا أَوْ بِاسْمِهَا زَأرُوْا
جُبْتُ الشآم؛ بَواديْها بها عبِقَتْ     أمّا حَوَاضِـرُها؛ فَبِاسٍمِــهَا جَهَـرُوْا
ولدتُ في الشامِ والغِربانُ تُفْـسِدُهَا     منْ خُبثِ ما زَرَعُوْا أوْ سُوْءِ مَا بَذَرُوْا
قدْ حَاوَلُوْا عَبَثًا وأْدِي بِمَكْرِهِمُ      لَكِنَّهُمْ خَسِئوْا، خَابُوْا بِمَاْ ائْتَمَـرُوْا
كمْ لَفّقُوْا تُهمًا ضِدِّي وما فَتِئُوْا     يَرْمُونَنِي، سفَهًا، مِنْ صَرْخَتِي سَخِرُوا
قيلَ اصبْرِي فغَـدًا تأتيكِ بارقَـةٌ      للنَّصْرِ يَحمِلُها ضيْـفٌ لَـهُ أثَـــرُ
والآنَ جئتَ بخَيْرٍ عَـمّ ساحتَـنا      صدْقٍ وصبْـرٍ وإنَّ النَّـصرَ مُنتَظَـرُ
هَـذا هِلالُك أحْـيَا عنْدَنا أمَـلاً       بهِ نَرَى الشَّامَ بالأحْـــرَارِ تَفْتَخِـرُ
هذا هِلالُك بِالبُشرَى يُضـيءُ لنَا      درْبًا فَنُبْـصِـرُ قيـْدَ الذّلِّ ينكسِــرُ
ذكّرْتَنـا بَـدْرًا والبَـدْرُ لَمْ نَـرَهُ     مُذْ عَاثَ فِي أَرْضِنـا مُسْتكْبِـرٌ أشِـرُ
هاهُم بَنيَّ أتَوْا والشوقُ يَـدْفَعُهُـم     للذَّوْدِ عَـنْ أمّـةٍ أبنَـاؤهَـا قُهِـرُوا
هُـم فتيةٌ آمنُـوا باللـهِ ربّهِــمُ     يَرْجُــوْنَ عَيْشًا كريْمًا عَاشهُ الْبَـشَرُ
لم يَحْمِلُوا مَعَهُم إلا مَصَاحِـفَـهمْ     يُـوفُـوْنَ نَـذْرَهُمُ فيْـمَا هُـمُ نَذَرُوا
ما بـدّلوا أبـَدًا في مَطْـلَبٍ طلبُوا    (حريّةٍ) ولهَـا مَـاتُوا ومَـا صَغُـرُوا
لَمْ يَثْـنِهِمْ أبدًا تهديْــدُ طاغِــيةٍ    لَـمْ يُـغْـرِهِـم أبَـدًا مَـالٌ ولا دُررُ
شهْرَ الصيّــامِ ألا من نَفْحَةٍ لَهُـمُ    تُلْـقِي السَّكِيْنَـةَ فيهِــمْ أينَما انْتَشَرُوا
تُحْيي نُفُـوْسَهُمُ، تُمْـضِي عَزَائمَهمْ   تَهْـدِيْ كتائبَــهُم لو أنَّــهم نفَـرُوا
آثَرْتُ صُحبتَهُم في كلِّ مَـوْقِعَـةٍ     هُـمْ عُـزْوَتِي وبِهِِـمْ أَمْضِيْ وَلا أَذَرُ
الأحد 30/شعبان/1432 الموافق 31تموز 2011-07-31

         


      












الأربعاء، 27 يوليو 2011

خنساوات الثورة

خنساوات الثورة...
نعم يا خنساء ""كفر رومة""([1] )  ... نعم أيتها الأم العظيمة... فما أحسب أنه يحنث من يُقسم أنَّ أولَ صدْرٍ يجبُ أن يُعلّق عليه وسامُ انتصارِ الثورة السورية (وهو قادم إن شاء الله) هو صدرك يا أم محمد([2] ) ، وصدرُ أخواتك الأخْريَات اللواتي لم تخْل مدينة أو بلدة أو قرية سورية من وجود خنساء فيها...وما خنساواتُ درعا وجسرالشغور وحمص وحماة وبانياس واللاذقية وجبلة ودوما وداريا وقطنا والكسوة وكل ريف دمشق، ودير الزور وحلب وغيرها عنا ببعيدات...
أجل لقد كنتِ عظيمةً حينَ أخذتِ بيديك الحانيتين تمْسحين الدمَ الطاهر الذي صبغ وجه فلذة كبدك محمد بصبغة وردية، فوق بشرته الحنطية اللون، فزاده ذلك جمالاً، وبهاءً.. وكأنه يُهيّأ ليُزَفَّ إلى عروسه من الحور العين بعد أن أدى المهر كاملاً وزيادة...
لقد كنتِ عظيمةً حين كانتْ تنطلق منك كلماتُ الرضا بقضاء الله.. وأنتِ تخاطبين مَن حولك قائلةً: لا.. لا تُعَزّوني بل هنّئوني فالليلة ليلة عرس ولقاء، وليست ليلة مأتَمٍ وفراق...
وكنتِ عظيمةً حين بَرقتْ عيناك فرحًا وأنت تسمعين إحدى الحاضرات تقول لك: إنه يشفع في سبعين من أهله وأرحامه...
وكنت عظيمةً بحقٍّ، حين أخذتْ كلمة ""شهيد"" تنطلقُ من أفواه الحاضرين والحاضرات، فما كان منك إلا مسحت بيمناك على جبينه الغر المتألق وقلت بملء فيك وأنت فخورة ((نعم هو شهيد بإذن الله)) فلله درك من أم جلدة وصبور... ولله درك من أم عطوف وحنون.. ولله درك من أم عزيزة وكريمة... ولله درك من أم وقافة حيث يريد شرع الله أن تقف... فعلّقت شهادته بإذن الله.. وهذا منتهى التأدب مع الله... وهو شهيد بإذن الله تحقيقًا لا تعليقًا... أوليس كان يجهر بكلمة حق في وجه سلطان جائر!.. أوليس باع نفسه لله حين قام مجاهدًا لأجل كلمة واحدة يدعو بها إلى تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار...
فهلاّ دعوتِ أصحاب الفراسة في كل أرجاء الوطن الحبيب، ولاسيّما أولئك الذين ما زالت فراستهم محجوبة بظلمات الطاغي المستبد، قولي لهم تعالوا  وانظروا مليًّا في وجه محمد، لتقرؤوا فيه بشارات الملائكة له وهي تتلقى روحه بأطيب وأهنأ ما تتلقى به روح بشر.. جبين أغر، وبسمة خفيفة على الشفتين،ورائحةٌ كالمسك، وبدن كالحرير لم  يتيبس ولم يتصلب...
قولي لهم: أما تكفيكم هذه أن تكون بينات على صدق ما قضى من أجله محمد...ألا يكفيكم ما ترون من ألَقِ السكينة والطمأنينة اللتين قذفهما الله في قلبي فأصبحت أنظر إلى الشهادة على أنها حياة، وإلى الدم على أنه عطرٌ فواحٌ، وإلى الخروج من على أنه دخول فيالنعيم المقيم...أما يكفيكم كل هذا من بينات لتنطلقوا بها إلى طاغيتكم وتقولوا له: سسننحاز إلى الشعب، ولن نؤثرك على ما رأينا من البينات...فاقض ما أنت قاض...  
لست أدري يا خنساء ((كفر رومة)) أنهنئك بشهادة ابنك أم نهنئ ابنك بعظمتك... والحقُ أنّه لا مشاحة في الأمر؛ فالتهنئة لكما معًا...
بارك الله فيك وفي كل الخنساوات... وهنيئًا لكنَّ جميعًا... وباركَ الله في الثورة الأبية الطاهرة التي كانت سببًا في هذا الخير العظيم الذي حظي به شعب سوريا؛ شيوخًا وشبابًا، آباءً وأمهات، فتيانًا وفتيات...
رأيتُ بعيْنَيكِ عزَّ الوطَنْ        وعزْمًـا تَحَدّى أمـرَّ المِحَنْ
وصبْرًا يُغيظُ العِدا طولُه        وقلْـبًا لربّ الأنـامِ ارتَـهَنْ
فمَا لانَ إلا لذي وقْفَـةٍ        بوجْـهِ الأعادي ودحْرِ الوثَنْ
فبُوركتِ أمّ الشهيـدِ وقدْ      رأيْـتِ فتَـاكِ ازْدَهَى بالكفَنْ
طبعْـتِ على خدِّه قُبْلةً        فعَـمّ شـذاها ربُـوعَ الوطنْ
فأنْتِ الوَلودُ لِشَعْبٍ أبَى        قُيودَ الطّغَـاةِ وأنْ يُمْتهَــنْ
وأنْتِ الْودودُ لمَنْ يَفْتَديْ       بِــلادَ الشـآم بأغْـلى ثَمَنْ
لكِ اليومَ يا أُختُ في شامِنا    مقَـامٌ رفيْـعٌ وقـولٌ حَـسنْ
أأُمَّ الشَّهيْدِ علَيْكِ السَّـلام      نُحيـيْكِ يا أختُ طولَ الزمنْ
الأحد 23/شعبان/1432 الموافق لـ 24/تموز/2011
محمد جميل جانودي


([1]) قرية كبيرة تابعة لمنطقة معرة النعمان من محافظة إدلب.
([2]) هو محمد حسين الحميّد. استشهد بعد صلاة جمعة ((أحفاد خالد)) في 22/تموز/2011