خنساوات الثورة...
نعم يا خنساء ""كفر رومة""([1] ) ... نعم أيتها الأم العظيمة... فما أحسب أنه يحنث من يُقسم أنَّ أولَ صدْرٍ يجبُ أن يُعلّق عليه وسامُ انتصارِ الثورة السورية (وهو قادم إن شاء الله) هو صدرك يا أم محمد([2] ) ، وصدرُ أخواتك الأخْريَات اللواتي لم تخْل مدينة أو بلدة أو قرية سورية من وجود خنساء فيها...وما خنساواتُ درعا وجسرالشغور وحمص وحماة وبانياس واللاذقية وجبلة ودوما وداريا وقطنا والكسوة وكل ريف دمشق، ودير الزور وحلب وغيرها عنا ببعيدات...
أجل لقد كنتِ عظيمةً حينَ أخذتِ بيديك الحانيتين تمْسحين الدمَ الطاهر الذي صبغ وجه فلذة كبدك محمد بصبغة وردية، فوق بشرته الحنطية اللون، فزاده ذلك جمالاً، وبهاءً.. وكأنه يُهيّأ ليُزَفَّ إلى عروسه من الحور العين بعد أن أدى المهر كاملاً وزيادة...
لقد كنتِ عظيمةً حين كانتْ تنطلق منك كلماتُ الرضا بقضاء الله.. وأنتِ تخاطبين مَن حولك قائلةً: لا.. لا تُعَزّوني بل هنّئوني فالليلة ليلة عرس ولقاء، وليست ليلة مأتَمٍ وفراق...
وكنتِ عظيمةً حين بَرقتْ عيناك فرحًا وأنت تسمعين إحدى الحاضرات تقول لك: إنه يشفع في سبعين من أهله وأرحامه...
وكنت عظيمةً بحقٍّ، حين أخذتْ كلمة ""شهيد"" تنطلقُ من أفواه الحاضرين والحاضرات، فما كان منك إلا مسحت بيمناك على جبينه الغر المتألق وقلت بملء فيك وأنت فخورة ((نعم هو شهيد بإذن الله)) فلله درك من أم جلدة وصبور... ولله درك من أم عطوف وحنون.. ولله درك من أم عزيزة وكريمة... ولله درك من أم وقافة حيث يريد شرع الله أن تقف... فعلّقت شهادته بإذن الله.. وهذا منتهى التأدب مع الله... وهو شهيد بإذن الله تحقيقًا لا تعليقًا... أوليس كان يجهر بكلمة حق في وجه سلطان جائر!.. أوليس باع نفسه لله حين قام مجاهدًا لأجل كلمة واحدة يدعو بها إلى تحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار...
فهلاّ دعوتِ أصحاب الفراسة في كل أرجاء الوطن الحبيب، ولاسيّما أولئك الذين ما زالت فراستهم محجوبة بظلمات الطاغي المستبد، قولي لهم تعالوا وانظروا مليًّا في وجه محمد، لتقرؤوا فيه بشارات الملائكة له وهي تتلقى روحه بأطيب وأهنأ ما تتلقى به روح بشر.. جبين أغر، وبسمة خفيفة على الشفتين،ورائحةٌ كالمسك، وبدن كالحرير لم يتيبس ولم يتصلب...
قولي لهم: أما تكفيكم هذه أن تكون بينات على صدق ما قضى من أجله محمد...ألا يكفيكم ما ترون من ألَقِ السكينة والطمأنينة اللتين قذفهما الله في قلبي فأصبحت أنظر إلى الشهادة على أنها حياة، وإلى الدم على أنه عطرٌ فواحٌ، وإلى الخروج من على أنه دخول فيالنعيم المقيم...أما يكفيكم كل هذا من بينات لتنطلقوا بها إلى طاغيتكم وتقولوا له: سسننحاز إلى الشعب، ولن نؤثرك على ما رأينا من البينات...فاقض ما أنت قاض...
لست أدري يا خنساء ((كفر رومة)) أنهنئك بشهادة ابنك أم نهنئ ابنك بعظمتك... والحقُ أنّه لا مشاحة في الأمر؛ فالتهنئة لكما معًا...
بارك الله فيك وفي كل الخنساوات... وهنيئًا لكنَّ جميعًا... وباركَ الله في الثورة الأبية الطاهرة التي كانت سببًا في هذا الخير العظيم الذي حظي به شعب سوريا؛ شيوخًا وشبابًا، آباءً وأمهات، فتيانًا وفتيات...
رأيتُ بعيْنَيكِ عزَّ الوطَنْ وعزْمًـا تَحَدّى أمـرَّ المِحَنْ
وصبْرًا يُغيظُ العِدا طولُه وقلْـبًا لربّ الأنـامِ ارتَـهَنْ
فمَا لانَ إلا لذي وقْفَـةٍ بوجْـهِ الأعادي ودحْرِ الوثَنْ
فبُوركتِ أمّ الشهيـدِ وقدْ رأيْـتِ فتَـاكِ ازْدَهَى بالكفَنْ
طبعْـتِ على خدِّه قُبْلةً فعَـمّ شـذاها ربُـوعَ الوطنْ
فأنْتِ الوَلودُ لِشَعْبٍ أبَى قُيودَ الطّغَـاةِ وأنْ يُمْتهَــنْ
وأنْتِ الْودودُ لمَنْ يَفْتَديْ بِــلادَ الشـآم بأغْـلى ثَمَنْ
لكِ اليومَ يا أُختُ في شامِنا مقَـامٌ رفيْـعٌ وقـولٌ حَـسنْ
أأُمَّ الشَّهيْدِ علَيْكِ السَّـلام نُحيـيْكِ يا أختُ طولَ الزمنْ
الأحد 23/شعبان/1432 الموافق لـ 24/تموز/2011
محمد جميل جانودي